خواطر الشعراوى.. الفرق بين الموت والقتل

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة بقوله: قال الرجل الذى يحاج إبراهيم عليه السلام: إذا كان ربك الذى يحيى ويميت فأنا أحيى وأميت.

فسأله إبراهيم عليه السلام؛ كيف تحيى أنت وتميت؟ قال الرجل: أنا أقدر أن أقتل ما عندى من مساجين وأقدر ألا أقتلهم، فالذى لم أقتله كأننى أحييته، والذى قتلته فقد أمته.

اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوي.. معنى «ألم تر»

ولم يقل سيدنا إبراهيم لنتفق أولا ما الحياة؟ وما الموت؟ ذلك أن إبراهيم خليل الرحمن لم يشأ أن يطيل هذه المجادلة، فجاء له بأمر يُلجمه من البداية وينتهى الجدل، فقال له: ﴿فَإِنَّ الله يَأْتِى بالشمس مِنَ المشرق فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب فَبُهِتَ الذى كَفَرَ﴾. وهكذا أنهى سيدنا إبراهيم هذا الجدل. كان من الممكن أن يدخل معه سيدنا إبراهيم فى جدل، ويقول له: ما هى الحياة؟

ونحن نعرف أن الحياة هى إعطاء المادة ما يجعلها متحركة حساسة مريدة مختارة، أما الموت فهو إخراج الروح من الجسد، فالذى يقتل إنسانًا؛ إنما يخرج روحه من جسده، والقتل يختلف عن الموت؛ لأن الموت خروج الروح من الجسد بدون جرح، أو نقض بنية، أو عمل يفعله الإنسان فى بدنه كالانتحار.
وقد يكون الإنسان جالسًا مكانه وينتهى عمره فيموت، ولا أحد قادر قبل ذلك أن يقول له: مت فيموت، هذا هو الموت، لكن إزهاق الروح بجرح جسيم أو نقض بنية فهذا هو القتل وليس الموت، ولذلك يجعل الله القتل مقابلًا للموت، فى قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرسل أَفَإِنْ مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقلبتم على أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ على عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ الله شَيْئًا وَسَيَجْزِى الله الشاكرين وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلًا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخرة نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشاكرين﴾ «آل عمران: ١٤٤ - ١٤٥».

اقرأ أيضًا| خواطر الشعراوى.. التخصيص بالذكر

وقد أوضح لنا الله سبحانه وتعالى الفرق بين الموت والقتل، وجعل كلا منهما مقابلًا للآخر، فعندما أشيع أن رسول الله قد قتل، هَمَّ بعض المسلمين بالارتداد إلى الكفر، فأنكر الله عليهم ذلك قائلًا: إن محمدًا رسول من عند الله قد مات من قبله المرسلون أفإن مات أو قتل رجعتم عن الإيمان للكفر، ومَنْ يفعل ذلك فإنما يضر نفسه، والثواب عند الله للثابتين على منهج الله الشاكرين لنعمه، أوضح لنا الحق أن موت أى إنسان لا يمكن أن يحدث إلا بإذن الله، وقد كتب الله ذلك فى كتاب مشتمل على الآجال.

ويريد الله أن يُنبهنا ويُلفتنا إلى حقيقة مهمة وهى أن الرسل فى جدلهم مع أممهم أو مع المناقشين لهم لا يكون الهدف أنّ النبى يظفر بالغلبة وإنما يكون الهدف بالنسبة للرسول أو النبى أن يصل إلى الحقيقة، ولذلك لم يتوقف إبراهيم عليه السلام مع الرجل الذى يحاجّه فى الله عند نقطة الإحياء والإماتة؛ لأنه رأى فى مناقشة الرجل لونا من السفسطة.

وعلينا ونحن نتدبر آيات القرآن بالخواطر الإيمانية أن نفهم الفرق بين الإماتة والقتل. الصحيح أن الإماتة والقتل يشتركان فى أمر واحد وهو خروج الروح من الجسد. والإماتة تختلف عن القتل بأنه لا يقدر عليها إلا واهب الحياة الذى وضع مقومات خاصة فى البنية الإنسانية حتى تسكنها الروح، وهو القادر على أن يسلب الروح بأمر غير مُحس.

أما القتل فهو أن تجرح إنسانًا فيموت، أو تنقض بنيته، تكسر له رأسه مثلًا، أما «الإماتة» فهى أن تنقبض حياته بمجرد الأمر دون أن تقربه، هل أحد من البشر يقدر على هذه؟ لا. إذن فالذى حاج إبراهيم لم يحى الذى قال: إنه سيتركه بدون عقوبة، إنه لم يقتله، لكنه أبقى الحياة التى كانت فيه، هذا إذا أردنا أن ندخل فى جدل.

والله قد جعل القتل مقابلًا للموت، صحيح أنهما ينتهيان بأن لا روح، لكنْ هناك فرق بين أن تؤخذ الروح بدون هذه الوسائل. وأن تترك الروحُ البدنَ لأن بنيته قد تهدمت.