قلب مفتوح

هشام عطية يكتب: اللحظات المصيرية

هشام عطية
هشام عطية


فى مسيرة الأمة المصرية لحظات فارقة تصنع التاريخ وتعيد رسم المصائر، يعاد معها هندسة المستقبل ذاته.

تلك اللحظات تتعانق فيها إرادة الشعب بكل حيويتها وعنفوانها مع رؤية قيادته بكل أبعادها الاستراتيجية، حينها تتهاوى كل المؤامرات وتُجهض كل المخططات بوعى المصريين الذين اعتادوا أن يكتبوا التاريخ كما يشاءون، وليس كما يريد البعض أن يمليه عليهم.

فى تاريخ مصر المعاصر من هذه اللحظات الخالدة الكثير، لا يطولها النسيان، صنعت فيها مجدها ورسخت إرادتها الحرة، مثل ثورة يوليو ١٩٥٢ التى حررت التراب الوطنى من احتلال دام عقودا، وقرار تأميم قناة السويس الذى أعاد الحقوق لأصحابها ومعها السيادة والكرامة، وحتى نصر أكتوبر الذى انتشل الأمة العربية من أوحال الهزيمة إلى أمجاد النصر.

شاء حظى أن أكون شاهدًا على لحظتين تاريخيتين فى حياة المصريين، اللحظة الأولى عندما انتفض المصريون جميعًا فى الثلاثين من يونيو عام ٢٠١٣ لتتحرر مصر من الاحتلال الإخوانى البغيص الذى أراد أن يخطف هويتها ويفرط فى أرضها وكرامتها.

اللحظة الثانية فى مؤتمر شرم الشيخ الأخير، حين وقفت مصر - شعبًا وقيادة - ضد الاحتلال الصهيونى لتجهض مشروع التهجير وتُبدد أوهام إسرائيل الكبرى، وترفض إملاءات القوى الكبرى، وتنقذ القضية الفلسطينية برمتها من مصير الفناء، وترفع عن أهل غزة بلاء الإبادة، لتؤكد من جديد أن مصر هى حصن الأمة العربية المنيع.

فى تلك اللحظات تلمح الفخر يتلألأ فى العيون، والثقة تملأ الصدور، تشعر وكأن معجزة إنسانية تتحقق، حيث يتحول عشرات الملايين إلى جسد واحد ينبض بقلب واحد، وكأن خيطًا نورانيًا يربط أرواحهم فى لحظة واحدة.

«إن هذا التلاحم المصرى الخارق، كما تجلى فى ثورة ٣٠ يونيو ومؤتمر شرم الشيخ، لا يجب أن يكون مجرد ذكرى عابرة نسترجعها بفخر، بل يجب أن يكون دستور وجودنا وسر بقائنا. ويذكّرنا بأننا عندما نكون جسدًا واحدًا، تصبح أحلامنا أمرًا واقعًا، وتذوب تحدياتنا كما يذوب الجليد فى شمس النهار. إن قوتنا ليست فى تجاوز المحن فحسب، بل فى قدرتنا على تحويلها إلى منصات انطلاق نحو آفاق لا تُحد».

لذلك، فلنحمل هذه الروح فى قلوبنا كل يوم، فى شوارعنا ومصانعنا ومدارسنا. فلنكن ذلك الجسد الواحد فى مواجهة كل تحدٍ، وليكن نبض قلبنا واحدًا نحو غد أفضل. فمصر لم تُبنَ بالصدفة، بل بُنيَت بلحظات مصيرية كهذه، صنعناها بإرادتنا، وسنظل نصنعها دائمًا.