يتطلب مشروعًا عربيًا حقيقيًا قابلًا للحياة يحمى المنطقة من المخاطر التى تستهدف وجود الأمة العربية نفسها على أرضها
ظلت المنطقة العربية لعقود غير قادرة على تحديد مفهوم دقيق لمهددات ومخاطر الأمن القومى العربى، ومن ثم لم تستطع وضع استراتيجيات أمنية شاملة للدفاع عن الأمن الإقليمى، رغم المحاولات المتعددة التى قادتها جامعة الدول العربية، وما صدر من قرارات عن القمم العربية، والاجتماعات الدورية لوزراء الداخلية والدفاع العرب، والسؤال الذى يفرض نفسه: لماذا لم يتم التوصل إلى مفهوم عربى جماعى لتحديد مخاطر الأمن القومى العربى ومواجهتها؟ والإجابة على هذا السؤال تتطلب دراسة متأنية للتاريخ العربى المعاصر على الأقل منذ بداية النصف الأول من القرن العشرين وحتى الآن.
منطقة الخليج العربى: عانت دول مجلس التعاون الخليجى لفترات طويلة من مخاطر قد لا يصل تأثيرها إلى بقية المناطق العربية الأخرى، ولعلها بدأت مع ظهور النفط، وجذب انتباه العالم إلى هذه المنطقة خاصة الدول الصناعية الكبرى المستهلكة للنفط، وزاد من حدتها الصراع الأجنبى على النفوذ والاستقطاب، كما زاد من حدة الصراع سياسة شاه إيران الذى كان يتزعم ما يُطلق عليه (إيران شرطى الخليج) حيث كانت إيران فى عهد الشاه تسعى لإحياء الإمبراطورية الفارسية، واحتدم الصراع القومى حتى على تسمية الخليج نفسه؛ بين عربى وفارسى، وزاد من حدة الصراع قيام الثورة الإيرانية عام 1979م، التى غيرت اتجاه الصراع الإيرانى/ الخليجى من صراع قومى على النفوذ، إلى صراع مذهبى وما يسمى بتصدير الثورة، ثم جاء تغلغل إيران فى اليمن، سوريا، لبنان، والعراق لتشكيل ما يسمى بالهلال الشيعى لتطويق دول الخليج، بل سعت للاختراق من الداخل. ولم يكن الهاجس الإيرانى وحده الذى يقلق دول الخليج، بل كانت أنظمة عربية تهدد استقرار دول المجلس وهو ما كان يمثله حكم البعث بشقيه فى العراق وسوريا، إضافة إلى هذه التحديات ظهر تحدى الإرهاب منذ منتصف تسعينيات القرن الماضى الذى ضرب عدة أهداف حيوية فى دول الخليج.
الوسط العربى وشمال إفريقيا: فى حين ظل التحدى الأمنى الأكبر لدول وسط المنطقة العربية أو دول المواجهة مع إسرائيل هو إسرائيل ذاتها وهى مصر وسوريا والأردن ولبنان والأراضى الفلسطينية، وزاد عليه ظهور إرهاب الجماعات الإرهابية، وحركات الإسلام السياسى، والأزمات الاقتصادية وغير ذلك، ثم صعود حركات الإسلام السياسى والذى هدد مستقبل هذه الدول بعد نشوب ما يسمى بثورات الربيع العربى وهو ما مثل تهديدًا وجوديًا لدول منها مصر، ليبيا، تونس، الجزائر، والسودان، أما منطقة شمال إفريقيا فتعانى من أزمات داخلية نتيجة لصعود تيار حركات الإسلام السياسى كما هو الوضع فى الجزائر وتونس، وغياب الحكومة المركزية فى ليبيا وانقسامها إلى دولتين ما فتح الباب للتدخل الخارجى الذى يمثل خطرًا على المنطقة بأسرها، أما فى المغرب مازال التوتر يسيطر على إقليم الصحراء بين الرباط وجبهة البوليساريو، والأمر نفسه امتد إلى السودان التى تعانى من حرب أهلية ضروس تهدد استقلال السودان ووحدته وغياب الدولة بعد تقسيمها بين شمال وجنوب إثر استقلال جنوب السودان قبل أن تنشب الحرب الأهلية الحالية فى الشمال نفسه بين الجيش وحركة التمرد المسلحة، وفى العراق وسوريا توجد تحديات فى طبيعة التركيبة الداخلية لسكان هذه الدول، والصراع مع دول الجوار.
الحلول المأمولة: تنوعت المخاطر والتحديات فى المنطقة العربية، فما تعتبره دولة ما تهديدًا تجد دولة عربية أخرى التهديد يأتيها من مصدر آخر، وذلك لعدم وجود نظام عربى موحد له أدواته العسكرية والأمنية والقانونية التى يمكن من خلالها إدارة هذه الصراعات والتدخل لفرض الحلول.
ومع ظهور خطر وجودى عضال يعصف بالأمن الجماعى العربى بالكامل يتمثل فى تغول إسرائيل، التى تعلن عزمها صراحة إنهاء الوجود الفلسطينى بالقضاء على سكان غزة وتهديد سكان الضفة الغربية، وامتداد ذراعها الطويلة لتضرب دولًا عربية وغير عربية كإيران وقطر فى عقر دار هذه الدول، بل تهدد بقية دول المنطقة وتعلن أنها قادرة على ضرب أى دولة فى الشرق الأوسط حتى تركيا عضو «الناتو».
الآن يحكم العلاقات الإقليمية فى الشرق الأوسط منطق القوة الغاشمة ما يتطلب مشروعًا عربيًا حقيقيًا قابلًا للحياة يحمى المنطقة من المخاطر التى تستهدف وجود الأمة العربية نفسها على أرضها، وإبعادها عن صراع النفوذ بين القوى الإقليمية غير العربية، ما يتطلب إرادة عربية حقيقية تبدأ بإعادة النظر فى ميثاق جامعة الدول العربية ومنحها صلاحيات جديدة تتيح لها الدفاع عن مصالح الأمة وبقائها، وتحفظ وجودها بين الأمم فى هذه اللحظة المفصلية الأخطر فى تاريخ المنطقة.
مدير النشر بمركز الخليج للأبحاث ـ مدير تحرير مجلة آراء حول الخليج


عقبال 100 سنة كمان
الشرع فى لبنان… على الطريقة السورية
الشيطان أشطر من ميسى فشجعوه!






