حاتم الدالي يكتب: الحصانة البرلمانية ليست مداعبة انتخابية.. بل مسؤولية دستورية

الكاتب والمفكر السياسي حاتم الدالي
الكاتب والمفكر السياسي حاتم الدالي


للأسف، استمعت خلال الأيام الماضية إلى تصريح صادر عن أحد المرشحين، بدا فيه وكأنه يغازل ناخبيه بتصريحات غير منضبطة حول الحصانة البرلمانية، التي تُعد في جوهرها حماية قانونية ودستورية لأعضاء البرلمان، تمكنهم من أداء دورهم الرقابي والتشريعي الكامل، بمعزل عن ضغوط أو تدخلات السلطة التنفيذية، سواء عبر الترغيب أو الترهيب .

ومن المؤسف أن يصدر هذا الكلام عن شخص يُفترض به السعي إلى تمثيل الشعب، فالأجدر بمن يطمح إلى مقعد نيابي أن يُلمّ بالدستور، ويفهم التشريعات، ويعي معنى ما يتحدث عنه . 
إذ ليس من المنطقي أن نُطالب بإلغاء نص دستوري لمجرد أن بعض الأفراد أو الجهات أساؤوا استخدامه، فالتشريع وُضع لحماية وظيفة سامية، لا لإسقاطها عند أول انحراف .

- الحصانة البرلمانية في ضوء الدستور

لقد كفل الدستور لأعضاء البرلمان نوعين من الحصانة، يندرجان تحت الإطار العام لحماية النائب أثناء أداء مهامه:

أولاً: عدم المسؤولية البرلمانية

وهي تعني أن النائب لا يُسأل عما يطرحه من آراء وأفكار داخل المجلس أو لجانه، وهو مبدأ يُكرّس حرية التعبير داخل المؤسسة التشريعية.

ثانيًا: الحصانة الإجرائية

وتنص على أنه لا يجوز اتخاذ إجراءات جنائية ضد عضو البرلمان " في غير حالة التلبس  " إلا بعد الحصول على إذن مسبق من المجلس .

لكن في حالة التلبس، تسقط الحصانة فورًا، لأن الجريمة هنا تكون مؤكدة، ومرتكبها معروف، وبالتالي لا تُوجد شبهة كيد سياسي أو شخصي ، وقد حدد قانون الإجراءات الجنائية أربع صور للتلبس :
    1.    مشاهدة الجريمة حال وقوعها .
    2.    مشاهدة الجريمة عقب ارتكابها مباشرة .
    3.    تتبع الجاني بعد وقوع الجريمة .
    4.    مشاهدة مرتكب الجريمة بعد وقت قصير من حدوثها، حائزًا أدلة الجريمة .

أما في غير أدوار انعقاد البرلمان، فيُشترط الحصول على إذن من رئيس المجلس فقط قبل اتخاذ أي إجراء .

- الحصانة لا تمنع الإفلات من العقاب

إذن، يا سيادة المرشح، لست فوق القانون ، الحصانة لا تعني أنك معفي من المحاسبة، بل هي فقط تنظّم الآليات القانونية لحمايتك من التعسف، لا أكثر .

ففي حالة التلبس، تُتخذ الإجراءات فوراً ، أما في الحالات الأخرى، كتحرير محاضر أو رفع دعاوى قد يكون فيها شبهة كيدية، فإن القانون يشترط فقط أخذ الإذن من البرلمان حفاظاً على دورك لا على شخصكم.

لكن دعني أذكّرك: حتى مع الحصانة، يمكن تحرير المحاضر، ورفع القضايا، واتخاذ الإجراءات القانونية كاملة، مع مراعاة الضوابط الدستورية .

استقيموا وافهموا جيداً ما تتحدثون عنه.

كفانا مداعبة لعواطف الناس بالشعارات الكاذبة، والتضليل المتعمد، والجهل بالتشريعات.
فإذا كان المتحدث لا يدرك ما يقول، فهذه كارثة ، وإن كان يدرك ويضلّل عمداً ، فالكارثة أعظم .
ولا حول ولا قوة إلا بالله.

كاتب المقال: كاتب ومفكر سياسي ونائب برلماني سابق