حصير الريف| حياة منسوجة من خيوط «السمار»

حصير الريف
حصير الريف


على أطراف قريتا سلامون وكفر الجلابطة

من قرى مركز الشهداء بالمنوفية، ومع شروق الشمس، يتناثر ضوء النهار فوق عيدان السمار الممدودة أمام البيوت، تتسلل رائحة النبات اليابس الممزوجة بتراب الأرض، فيما تجلس نساء القرية في دائرة صغيرة، يتبادلن الحديث والضحكات وهنّ يفرزن الخيوط، على بُعد خطوات، ينحني رجل خمسيني فوق عيدان البوص، يشدها بمهارة، ويُدخلها في نسيج مُتقن لتكتمل أمامك لوحة من الألوان والخطوط التي تتشكل في صمت إلا من صوت الجدْل المألوف.

اقرأ أيضًا| تطوير الريف المصري يوفر 52 ألف فرصة عمل للشباب

الحرفة التي صنعت البيوت

يقول عم "عبد السلام"، وهو واحد من أقدم الحرفيين بالقرية: "إحنا ورثنا المهنة دي عن أهلنا وأجدادنا، كانت زمان هي الأساس في كل بيت.. الحصير كان بيتفرش في العَرايس، وفي الموالد، وحتى في المساجد. مافيش مناسبة شعبية إلا وكان الحصير حاضر فيها".

وبالفعل، كان الحصير شاهدًا على حياة كاملة؛ يفرش أرضيات البيوت الطينية، ويستقبل ضيوف الأفراح، ويكون ملاذ المصلين في الزوايا. لم يكن مجرد مفروشات، بل كان رفيقًا للحياة اليومية، وجزءًا من تفاصيلها البسيطة.

من المعابد إلى البيوت الريفية

لم تولد صناعة الحصير في العصر الحديث، بل جذورها ضاربة في عمق التاريخ المصري. تشير النقوش والبرديات القديمة إلى أن المصريين القدماء استخدموا الحصير في معابدهم وبيوتهم، سواء كغطاء للأرضيات أو كسُتور للجدران والأبواب. كان الحصير رمزًا للنظام والبساطة، ووسيلة عملية تتلاءم مع طبيعة المناخ والحياة الزراعية.

اقرأ أيضًا| حصر المنازل الآيلة للسقوط بريف المنتزة في الإسكندرية

هكذا، امتدت الحرفة عبر آلاف السنين، لتبقى راسخة في وجدان الريف المصري حتى يومنا هذا. فالحرفي الذي يجلس في قرية بالمنوفية ليجْدل السمار، إنما يعيد إنتاج فعل إنساني قديم مارسه أجداده الفراعنة في معابد الكرنك والأقصر.

السمار.. رحلة من الغيط للبيت

رحلة الحصير تبدأ من الغيط. يخرج الفلاحون في موسم الحصاد ليجمعوا نبات السمار، يربطونه في حزم كبيرة، ثم يتركونه أيامًا طويلة تحت الشمس ليجف. بعد ذلك، تبدأ مرحلة الجدْل، وهي المرحلة الأهم، حيث تُقسم الخيوط وتُسوى بعناية.

الحرفة هنا لا تقتصر على الرجال. تقول "أم سعدية"، وهي سيدة خمسينية اعتادت العمل في الحصير منذ طفولتها: "إحنا الستات بنساعد في الفرز والجدل، والأطفال زمان كانوا بيقفوا معانا، يتعلموا شوية بشوية. الحصير مش مجرد شغل.. ده كان بيجمع البيت كله حوالين بعضه"، ثم تضحك وهي تمسح يديها من بقايا السمار، وكأنها تمسح عن قلبها ذكرى بعيدة.

اقرأ أيضًا| «حياة كريمة» على مائدة السيد البدوى بكفر الشيخ

زمن الانحسار

لكن هذه المشاهد لم تعد كما كانت. المفروشات البلاستيكية والسجاد الحديث غزت البيوت، فقلّ الطلب على الحصير، وتراجع دخل الحرفيين. كثير منهم تركوا المهنة مضطرين، بحثًا عن عمل أكثر استقرارًا.

يعلق عم عبد السلام بحسرة: "دلوقتي السوق ما بقاش زي زمان.. الناس بقت تشتري البلاستيك عشان أرخص وأسرع. بس الحصير عمره أطول، وهو اللي ليه بركة وريحة الريف"، ثم ينظر إلى قطعة حصير نصف مكتملة، كمن يتمسك بآخر خيط في ذاكرة طويلة.

ولادة جديدة بروح عصرية

رغم التراجع، عاد الحصير في السنوات الأخيرة ليظهر في صورة جديدة. في بعض المقاهي والمطاعم الشعبية بالقاهرة والإسكندرية، يُستخدم كجزء من الديكور، وفي معارض الحرف اليدوية يُعرض كقطعة تراثية تعكس هوية الريف المصري.

تقول شابة من أبناء القرية شاركت في إحدى المعارض: "الناس بره بتشوف الحصير على إنه فن.. مش بس حاجة نستخدمها. في معارض القاهرة والأقصر، كانوا بيشتروا الحصيرة زي اللوحة، ويعلقوها في البيت للزينة"، لتؤكد أن الحرفة لا تزال قادرة على التجدد إذا ما وُجدت الرؤية.

اقرأ أيضًا| خاص| «التنمية المحلية» تطلب حصر مراكز تدريب الحرف اليدوية بالمحافظات

إحياء الحرفة.. مسؤولية جماعية

المهتمون بالتراث يشددون على ضرورة دعم هذه الحرفة. فالأمر لا يقتصر على تدريب الشباب أو دعم المنتج ماديًا، بل يمتد إلى إدخالها في المشروعات السياحية، والترويج لها كهدايا تراثية مصرية يمكن أن تصل للأسواق العالمية.

أحد الشباب العاملين بالورشة يقول: "لو في دعم بسيط من الدولة أو الجمعيات، الحرفة دي ممكن ترجع بقوة. الحصير مش بس بيحكي عن المنوفية، هو بيحكي عن مصر كلها".

اقرأ أيضًا| منافسة شرسة مع الصيني والياباني.. تحديات الحصير المنوفي تهدد بتوقف إنتاجه 

وصناعة الحصير اليدوي في المنوفية ليست مجرد مهنة قديمة تحتضر، بل ذاكرة حيّة تنبض في أصابع من لا يزالون يتمسكون بها. كل حصيرة تُجدل تحمل بين خيوطها قصص البيوت والموالد والزوايا، وتحمل معها رسالة تقول: ما زال في الريف المصري ما يستحق أن نحافظ عليه.