يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة حول قول الله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِى الدين﴾ قائلا إن علة ذلك أن الرشد واضح والغى واضح، وما دام الأمر واضحا فلا يأتى الإكراه يأتى فى وقت اللبس، وليس هناك لبس، لذلك يقول الحق: ﴿قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ ومادام الرشد بائنا من الغيّ فلا إكراه. لكن الله يعطيك الأدلة، وأنت أيها الإنسان بعقلك يمكنك أن تختار، كى تعرف أنك لو دخلت الدين لالتزمت، وحوسبت على دخولك فى الدين، فلا تدخل إلا وأنت مؤمن واثق بأن ذلك هو الحق؛ لأنه سيترتب عليه أن تقبل أحكام الدين عليك.
﴿لاَ إِكْرَاهَ فِى الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغي﴾ والرشد: هو طريق النجاة، و«الغي»: هو طريق الهلاك ويقول الحق إيضاحًا للرشد والغى فى آية أخرى من آيات القرآن الكريم: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِى الذين يَتَكَبَّرُونَ فِى الأرض بِغَيْرِ الحق وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذلك بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ «الأعراف: ١٤٦».
اقرأ أيضًا | خواطر الشعراوي |معنى «لا إكراه فى الدين»
إن الحق يعلمنا أن المتكبرين فى الأرض بغير حق لن يستطيعوا الفوز برؤية آيات الله ودلائل قدرته، وحتى إن رأوا السبيل الصحيح فلن يسيروا فيه، وإن شاهدوا طريق الضلال سلكوا فيه لأنهم يكذبون بآيات الرحمن ويغفلون عنها.
والغى أيضا هو ضلال الطريق، فعندما يسير إنسان فى الصحراء ويضل الطريق يقال عنه: «فلان قد غوى» أى فقد الاتجاه الصحيح فى السير، وقد يتعرض لمخاطر جمة كلقاء الوحوش وغير ذلك. ويوضح لنا الحق طريق الرشد بمنطوق آخر فى قوله الحق: ﴿وَأَنَّا لاَ ندرى أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِى الأرض أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ «الجن: ١٠».
إن الجن قد ظنوا كما ظن بعض من معشر الإنس أن الله لن يبعث أحدًا بعد الموت أو لن يرسل رسولًا من البشر لهداية الكون. وقد طلب الجن بلوغ السماء فوجدوها قد مُلئت حرسًا من الملائكة وشُهبًا محرقة. وإن الجن لا يعلمون السر فى حراسة السماء وهل فى ذلك شَرٌّ بالبشر أو أراد الله بهم خيرًا وهدى. إذن فالرُّشْد بضم الراء وتسكين الشين والرَشَد بفتح الراء وفتح الشين كلاهما يوضح الطريق الموصل للنجاة. ويقابل الرشد الغيّ.
ويتابع الحق: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بالطاغوت وَيْؤْمِن بالله فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى﴾ أولا: نلحظ أن الحق هنا قد قدم الكفران بالطاغوت، ثم جاء بالإيمان بالله؛ لأن الأمر يتطلب التخلية أولا والتحلية ثانيا، لابد أن يتخلى الإنسان من الطاغوت فلا يدخل على أنه يؤمن بالله وفى قلبه الطاغوت، فنحن قبل أن نكوى الثوب نغسله وننظفه، والتخلية قبل التحلية.
وما هو «الطاغوت»؟ إنه من مادة «طغى»، وكلمة «طاغوت» مبالغة فى الطغيان. لم يقل: طاغ، بل طاغوت، مثل جبروت، والطاغوت إما أن يطلق على الشيطان، وإما أن يُطلق على من يعطون أنفسهم حق التشريع فيكَفِّرون وينسبون من يشاءون إلى الإيمان حسب أهوائهم، ويعطون أشياء بسلطة زمنية من عندهم، ويُطلق أيضًا على السحرة والدجالين، ويُطلق على كل من طغى وتجاوز الحد فى أى شيء، فكلمة «طاغوت» مبالغة، وقد تكون هذه المبالغة متعددة الألوان، فمرة يكون الطاغى شيطانا، ومرة يكون الطاغى كاهنًا، ومرة يكون ساحرًا أو دجالًا، ومرة يكون حاكمًا.
ومادة «الطاغوت» تدل على أن الموصوف بها هو من تزيده الطاعة له طغيانًا، فعندما يجربك فى حاجة صغيرة، فتطيعه فيها فيزداد بتلك الطاعة طغيانا عليك.
والحق سبحانه يقول: ﴿فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ «الزخرف: ٥٤» ويزيد فى الأمر حتى يصير طاغية، ولا يوجد أحد استهل عمله بالطغيان العالي، إنما يبدأ الأمر خطوة خطوة، كأى نظام ديكتاتورى قهري، إنه يبدأ بـ(جس نبض) فإن صبر الناس، ازداد هذا النظام فى القسوة حتى يصير طاغوتا، إذن فالطاغوت هو الذى تستزيده الطاعة طغيانا، وتُطلق على الشيطان؛ لأنه هو الأساس، وعلى الذين يتكلمون باسم الدين للسلطة الزمنية (سواء كانوا كهانًا أو غيرهم)، وتُطلق على الذين يسحرون ويدجلون، لأنهم طغوا بما علموه؛ إنهم يستعملون أشياء يتعبون بها الناس، وقد جاءت الكلمة هنا بصيغة المبالغة لاشتمالها على كل هذه المعاني، وإذا استعرضنا الكلمة فى القرآن نجد أن «الطاغوت» ترد مذكرة فى بعض الأحيان، وقد وردت مؤنثة فى آية واحدة فى القرآن:﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا وأنابوا إِلَى الله لَهُمُ البشرى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ «الزمر: ١٧» لقد أوضحت هذه الآية أنهم تركوا كل أنواع الطغيان وأصنافه، أى أن الذين اجتنبوا الألوان المتعددة من الطغيان هم الذين يتجهون بالعبادة الخالصة لله، ولهم البشرى.
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







