“أنا أحب بلدي، لكن في هذا الوقت، لا أعترف به.. أعتقد أن أي شيء، في أي مكان، يقسم أو يحد من التعبيرات الشخصية والحريات لأي شخص، هو أمر خطير للغاية”.. هكذا انفجر ضمير النجمة أنجلينا جولي وهي تدافع عن الحرية وتدين سياسات ومواقف الولايات المتحدة الأمريكية أمام قضايا إنسانية كثيرة، لدرجة الإحساس بالكراهية والغضب، والتي شكلت صدمة كبيرة لها، وكأنه مشهد درامي مؤثر لواقع يدعو للحسرة على وطنها.
لم تكن تلك الحسرة بسبب موقفها مما يحدث فى غزة فقط، والسماح بالتجويع والتشريد، بل قرار منع سفر مواطنين من دول مسلمة إليها في نظرة مؤلمة.
نعم في عالم يموج بالمواقف المتناقضة، تبرز الشخصية الشهيرة التي أحبها على الشاشة وفي الواقع، وقد استطاعت أن تتجاوز شهرتها الفنية لتتحول إلى ضمير حي يواجه الظلم أينما كان. لم تكتف النجمة الأمريكية أنجلينا جولي، بالتمثيل والجوائز، بل اختارت أن تكون صوتًا للضحايا، وناقدة جريئة لسياسات بلدها، الولايات المتحدة الأمريكية.
أنجلينا جولي، التي شغلت منصب مبعوثة خاصة للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين في الأمم المتحدة، لم تتردد في التعبير عن استيائها من كثير من سياسات الحكومة الأمريكية، سواء في الداخل أو الخارج. وقد جاءت انتقاداتها في عدد من اللقاءات والمقالات والخطابات التي وجهت فيها اللوم إلى:
القرارات العسكرية الأمريكية التي أدت إلى تدمير مجتمعات بأكملها، مثلما حدث في العراق وأفغانستان وسوريا.
والإزدواجية في التعامل مع قضايا حقوق الإنسان، حيث تنتقد أمريكا انتهاكات دول أخرى، لكنها تتغاضى عن تجاوزاتها أو تلك التي تقوم بها دول حليفة وفي مقدمتها بالطبع إسرائيل.
كذلك الدور السلبي في بعض ملفات اللاجئين، حيث أشارت جولي إلى تقاعس الإدارات الأمريكية عن أداء دورها الإنساني في استضافة ودعم اللاجئين، بالرغم من أنها كانت السبب في مآسي كثير منهم.
وفي شهاداتها القوية حول الحريات والعدالة، لم تكن جولي فقط ناقدة للسياسة الخارجية، بل تحدثت بمرارة عن ما وصفته بـ”انحدار القيم داخل المجتمع الأمريكي”، ففي مقابلات لها، أشارت إلى:
• غياب العدالة الاجتماعية، ووجود فجوة كبيرة بين الطبقات، خصوصًا مع تنامي العنصرية والتهميش.
• تضييق الحريات، خصوصًا حرية الصحافة، وحرية التعبير، في ظل سياسات أمنية وقانونية تقمع الأصوات المعارضة.
• عنف المؤسسات، سواء ضد النساء، أو الأقليات، أو المهاجرين، حيث روت أنجلينا شهادات سمعتها من لاجئين وسجناء سابقين عن المعاملة اللاإنسانية التي تلقوها في مراكز الاحتجاز الأمريكية.
ليست معارضة.. بل إنسانية
رغم كل هذه الانتقادات، أكدت جولي في أكثر من مناسبة أنها لا تهاجم أمريكا من منطلق عدائي، بل بدافع الحرص على المبادئ التي يجب أن تمثلها أمريكا، كالديمقراطية، والحرية، والعدالة. وقد عبّرت عن أسفها لتحول هذه المبادئ إلى شعارات يتم توظيفها سياسيًا، بدل أن تكون أساسًا للسياسات الداخلية والخارجية.
كما أكدت أن الصمت أمام الظلم، حتى وإن كان من داخل الوطن، هو خيانة للضمير الإنساني، مشيرة إلى أن الولاء الحقيقي للوطن لا يكون بالتأييد الأعمى، بل بالنقد البناء والمطالبة بالإصلاح.
أنجلينا جولي، التي عملت فاعلة خير ومدافعة عن حقوق الإنسان طوال مسيرتها الفنية، التي تُشارك في مهرجان سان سيباستيان السينمائي الإسباني بعرض فيلم “كوتور” لأليس وينوكور، خلال المؤتمر الصحفي للمهرجان تم سؤالها: “ما الذي تخشاه كفنانة أمريكية؟”، تنهدت الممثلة بعمق، ثم أجابت ببرود: “إنه سؤالٌ صعبٌ للغاية.. لطالما عشتُ في بيئةٍ دولية، عائلتي دولية، أصدقائي، حياتي.. نظرتي للعالم متساوية، موحدة، ودولية. أعتقد أن أي شيء يُفرّق أو يحدّ من التعبيرات الشخصية والحريات لأي شخص هو أمرٌ خطيرٌ للغاية. لذا يجب أن نحرص على عدم قول أي شيءٍ بشكلٍ عابر. هذه أوقاتٌ عصيبةٌ للغاية نعيشها معًا”.
حبست جولي دموعها عندما شكرها أحد الحضور لحديثها الدائم عن فلسطين وعن من لا صوت لهم.
ففي ظل التصعيد العسكري الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، برز صوت جولي كأحد الأصوات النادرة في هوليوود التي كسرت حاجز الصمت، موجّهةً انتقادات لاذعة للسياسات الدولية، وعلى رأسها الأمريكية، حيال ما يحدث من انتهاكات صارخة بحق المدنيين الفلسطينيين.
في منشور صريح عبر حسابها الرسمي على “إنستجرام”، قالت جولي:
ليس هناك تبرير لأرواح أبرياء تُزهق جراء قصف سكان مدنيين في غزة لا مفر لهم، ولا وصول لهم إلى الطعام أو الماء، ولا إمكانية للإجلاء، ولا حتى الحق الأساسي في عبور الحدود للجوء”.
ولم تكتفِ بهذا، بل واصلت انتقادها للنهج المتبع تجاه غزة، مضيفة: “القتل الجماعي للمجتمعات المدنية، وتجويع ونزع المساعدات الطبية والغذائية والمياه عن الأطفال والعائلات، كلها تُشكّل عقابًا جماعياً يُمارَس ضد شعب بأكمله”.
وأكدت أن الإنسانية، قبل أي اعتبارات سياسية، تفرض وقفًا فوريًا لإطلاق النار:
“الإنسانية تطالب بوقف فوري لإطلاق النار، أرواح الفلسطينيين وأرواح كل الناس في العالم –مهمة بنفس القدر”.
وأضافت أيضا “بينما يراقب العالم، وبدعم نشط من حكومات كثيرة، يُعاقَب ملايين المدنيين الفلسطينيين – أطفالاً ونساءً وعائلات – جماعيًا ويُهانون، مع حرمانهم من الطعام والدواء والمساعدات الإنسانية، في انتهاك صارخ للقانون الدولي”.
كما أعادت جولي نشر تقارير لمنظمة “أطباء بلا حدود” تصف غزة بأنها: “مقبرة جماعية للفلسطينيين، ولكل من يحاول مساعدتهم”.
وفي رسائل غير مباشرة، لكن واضحة، حمّلت أنجلينا جولي الدول الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، مسؤولية تقاعسها عن حماية المدنيين، مشيرة إلى أن: “الصمت أو التواطؤ أو العجز المتعمد من الحكومات التي تمتلك القدرة على التأثير، يجعلها شريكة في هذه الجرائم”.
تثبت أنجلينا جولي مجددًا أن النجم الحقيقي لا يسطع فقط على الشاشات، بل عندما يُنير دروب المظلومين ويصطفّ إلى جانب العدالة الإنسانية، حتى وإن عنى ذلك مواجهة دولة بحجم الولايات المتحدة، شهاداتها الصادقة حول غزة تعكس وعيًا عالميًا يتنامى، بأن السكوت لم يعد خيارًا، وأن دعم الحقوق لا يجب أن يخضع للازدواجية أو المصالح السياسية.
تبقى شهاداتها وانتقاداتها تذكيرًا بأن العدالة لا وطن لها، وأن الضمير لا يجب أن يصمت حين تتناقض الأفعال مع الشعارات.
تطبيع الذكاء الاصطناعى
خالد محمود يكتب : « الشهود المحترفون » .. كيف صنع النقد صورة سينما نجيب محفوظ ؟
ياسمين صبري والبطولة المطلقة







