يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول سورة البقرة قائلا: والحق سبحانه وتعالى بعد ذلك يقول: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِى الدين قَد تَّبَيَّنَ الرشد مِنَ الغى ...﴾ إن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا نحن العباد المؤمنين ولسائر البشرية أنه: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِى الدين﴾.
والإكراه هو أن تحمل الغير على فعل لا يرى هو خيرًا فى أن يفعله. أى لا يرى الشخص المكرَه فيه خيرًا حتى يفعله. ولكن هناك أشياء قد نفعلها مع من حولنا لصالحهم، كأن نرغم الأبناء على المذاكرة، وهذا أمر لصالح الأبناء، وكأن نجبر الأطفال المرضى على تناول الدواء. ومثل هذه الأمور ليست إكراهًا، إنما هى أمور نقوم بها لصالح من حولنا؛ لأن أحدًا لا يسره أن يظل مريضًا.
اقرأ أيضًا | خواطر الشعراوى| لا تأخذه سِنة ولا نوم
إن الإكراه هو أن تحمل الغير على فعل من الأفعال لا يرى فيه هو الخير بمنطق العقل السليم. ولذلك يقول الحق سبحانه: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِى الدين﴾.
ومعنى هذه الآية أن الله لم يكره خلقه وهو خالقهم على دين، وكان من الممكن أن الله يقهر الإنسان المختار، كما قهر السماوات والأرض والحيوان والنبات والجماد، ولا أحد يستطيع أن يعصى أمره.
فيقول سبحانه: ﴿لَّوْ يَشَآءُ الله لَهَدَى الناس جَمِيعًا﴾ «الرعد: ٣١» لكن الحق يريد أن يعلم من يأتيه محبًا مختارًا وليس مقهورًا، أن المجيء قهرًا يثبت له القدرة، ولا يثبت له المحبوبية، لكن من يذهب له طواعية وهو قادر ألا يذهب فهذا دليل على الحب، فيقول تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِى الدين﴾ أى أنا لم أضع مبدأ الإكراه، وأنا لو شئت لآمن من فى الأرض كلهم جميعًا. فهل الرسل الذين أرسلهم سبحانه يتطوعون بإكراه الناس؟.
لا، إنّ الرسول جاء لينقل عن الله لا ليكره الناس، وهو سبحانه قد جعل خلقه مختارين، وإلا لو أكرههم لما أرسل الرسل، ولذلك يقول المولى عز وجل: ﴿وَلَوْ شَآءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الأرض كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ «يونس: ٩٩».
إن الرسول له مهمة البلاغ عن الله؛ لأن الله لم يرد خلقه مكرهين على التدين، إذن فالمبلغ عنه لا يُكره خلقه على التدين، إلا أن هنا لبسًا. فهناك فرق بين القهر على الدين، والقهر على مطلوب الدين، هذا هو ما يحدث فيه الخلاف.
تقول لمسلم: لماذا لا تصلي؟ يقول لك: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِى الدين﴾، ويدعى أنه مثقف، ويأتيك بهذه الآية ليلجمك بها، فتقول له: لا. ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِى الدين﴾ عقيدة وإيمانًا، إنما إن آمنت وأعلنت أنك آمنت بالله وصرت معنا مسلمًا فلا بد أن تعرف أنك إن كسرت حكمًا من أحكام الإسلام نطلب منك أن تؤديه، أنت حر أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن حين التزمت بالإيمان، فعليك مسئولية تنفيذ مطلوب الإيمان، وإلا حسب تصرفك أنه ليس من تصرفات الإسلام، فإذا كنت تشرب خمرًا فإنك حر؛ لأنك كافر مثلًا، لكن أتؤمن ثم تشرب خمرًا!؟ لا. أنت بذلك تكسر حدًا من حدود الله، وعليك العقاب.
ولأنك ما دمت قد علمت كعاقل رشيد مطلوب الإسلام، فعليك أن تنفذ مطلوب الإسلام، ولذلك لم يكلف الله الإنسان قبل أن ينضج عقله بالبلوغ؛ حتى لا يقال: إن الله قد أخذ أحدًا بالإيمان وألزمه به قبل أن يكتمل عقله. بل ترك التكليف حتى ينضج الإنسان ويكتمل، حتى إذا دخل إلى دائرة التكليف عرف مطلوباته، وهو حر أن يدخل إلى الإيمان أو لا يدخل، لكن إن دخل سيُحاسب. إذن فلا يقل أحد عندما يسمع حكمًا من أحكام الدين: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِى الدين﴾؛ لأن هذه الآية نزلت بشأن العقيدة الأساسية، فإن اتبعت هذه العقيدة صار لزامًا عليك أن توفى بمطلوباتها. وقد أراد خصوم الإسلام أن يصعدوا هذه العملية فقالوا كذبًا وافتراء: إن الإسلام انتشر بحد السيف.
ونقول لهم: لقد شاء الله أن ينشأ الإسلام ضعيفًا ويُضطهد السابقون إليه كل أنواع الاضطهاد، ويُعذبون، ويُخرجون من ديارهم ومن أموالهم ومن أهلهم، ولا يستطيعون عمل شيء. إذن ففترة الضعف التى مرت بالإسلام أولا فترة مقصودة.
ونقول لهم أيضا: من الذى قهر وأجبر أول حامل للسيف أن يحمل السيف؟! والمسلمون ضعاف ومغلبون على أمرهم، لا يقدرون على أن يحموا أنفسهم، إنكم تقعون فى المتناقضات عندما تقولون: إن الإسلام نُشِرَ بالسيف.
ويتحدثون عن الجزية رفضًا لها، فنقول: وما هى الجزية التى يأخذها الإسلام من غير المسلمين كضريبة للدفاع عنهم؟ لقد كان المسلمون يأخذون الجزية من البلاد التى دخلها الفتح الإسلامي، أى أن هناك أناسًا بقوا على دينهم. ومادام هناك أناس باقون على دينهم فهذا دليل على أن الإسلام لم يُكره أحدًا.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







