البحر المتوسط الذى طالما كان مقصدًا للمصطافين ومصدر رزق للصيادين، تحول خلال الأسابيع الماضية إلى ساحة قلق، بعدما شهدت شواطئه سلسلة من حوادث الغرق الناتجة عن الاضطرابات البحرية وارتفاع الأمواج بشكل غير معتاد، هذه الوقائع لم تمر مرور الكرام، بل دفعت كثيرين للتساؤل عن أسبابها، خاصة بعدما تذكر البعض مقطع فيديو أثار ضجة قبل نحو شهر، لقُبطان بحرى حذر فيه من تحركات غريبة فى باطن البحر المتوسط، مشيرًا إلى أنها قد تكون مقدمة لكوارث طبيعية وشيكة.. وبين الواقع والمخاوف، يظل السؤال: هل ما يحدث مجرد تقلبات طبيعية، أم أن وراءه ما هو أخطر؟ هذا ما تناقشه «الأخبار» فى السطور التالية لتوضيح الحقيقة العلمية الكاملة، بعيدًا عن الشائعات والتكهنات غير المستندة إلى أسس علمية.
ظاهرة طبيعية فى هذا التوقيت
توقعات بارتفاع جديد للأمواج مع قُرب الخريف
بدايةً تقول د. إيمان شاكر، مديرة مركز الاستشعار عن بُعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية: تكررت حالة نشاط الرياح أكثر من مرة خلال الفترة الماضية، وكان لها تأثير واضح على منطقة البحر المتوسط، حيث وصلت سرعة الرياح إلى ما بين 40 و50 كيلومترًا فى الساعة، وبلغ ارتفاع الموج من مترين إلى ثلاثة أمتار، وهو ما أدى إلى إغلاق شواطئ محافظة الإسكندرية، وبعض الشواطئ بمحافظة مطروح، إضافة إلى بعض المناطق فى مصيف جمصة وبلطيم، وذلك بعد التحذيرات التى أطلقتها الهيئة العامة للأرصاد الجوية، خاصة بعد تعدد حالات الغرق التى شهدتها مناطق الساحل الشمالي، وعلى رأسها الإسكندرية.
وحاليًا، ومنذ عدة أيام، تم فتح جميع الشواطئ المُطلة على البحر المتوسط بعد أن هدأت الأمواج وتراجع نشاط الرياح، إذ يتراوح ارتفاع الموج فى الوقت الراهن بين 1.25 و1.75 متر، مع اعتدال سرعة الرياح، وبالتالى أصبحت الشواطئ مُهيأة لاستقبال جميع المصطافين على سواحل البحر المتوسط للتنزه، أما البحر الأحمر فمازال يشهد اضطرابًا فى الملاحة البحرية، خاصة على ساحل البحر الأحمر بمنطقة خليج السويس، حيث يصل ارتفاع الموج إلى ما بين مترين ومترين ونصف المتر، ومع ذلك، فإن هذا الاضطراب لا يؤثر بشكل كبير على المصطافين، نظرًا لكون البحر الأحمر بحرًا ضيقًا، وبالتالى لا يترك أثرًا واسعًا على حركة السباحة.
وتشدد د. شاكر على ضرورة متابعة النشرات الجوية أولًا بأول، إذ يتم إصدار التحذيرات مُسبقًا فى حال حدوث ارتفاع للأمواج، مع التواصل الفورى مع الجهات المعنية والمحافظات لاتخاذ الإجراءات اللازمة من رفع رايات تحذيرية أو إغلاق للشواطئ عند الضرورة.
وتتوقع الهيئة خلال الفترة القادمة حدوث ارتفاعات فى الأمواج، خاصة مع اقتراب انتهاء فصل الصيف وبداية فصل الخريف، حيث تزداد التقلبات الجوية وتتكون المنخفضات الجوية على البحر المتوسط، ما قد يؤدى إلى زيادة سرعة الرياح واضطراب حركة الملاحة البحرية.
منخفضات عنيفة
وقبل حدوث ذلك، يتم إصدار تحذيرات رسمية من الهيئة العامة للأرصاد الجوية وإرسالها إلى غرفة الأزمات والكوارث بمجلس الوزراء، وإلى غرف الأزمات بجميع المحافظات المُطلة على سواحل البحر المتوسط، كما يتم التأكيد على خطورة الموقف فى حال تجاوز ارتفاع الأمواج عدة أمتار قد تصل إلى 5 أو 6 أمتار خلال فصلى الخريف والشتاء نتيجة للمنخفضات الجوية العنيفة، وبناءً على ذلك، تصدر الهيئة تحذيرات قوية وواضحة، ويتم إرسالها إلى غرف الأزمات مع استمرار التواصل على مدار 24 ساعة مع هذه الغرف سواء فى المحافظات أو الوزارات أو مجلس الوزراء.
ظاهرة طبيعية
من جانبه، يؤكد الدكتور شريف الهادي، رئيس قسم الزلازل بالمعهد القومى للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، أن الوضع فى البحر المتوسط طبيعى للغاية، ولا يوجد أى نشاط زائد يدعو للقلق، مضيفًا أن ما يحدث من تغيرات فى البحر ليس له علاقة بالنشاط الزلزالى كما يعتقد البعض أو كما يُرَوِّج لها عبر السوشيال ميديا بأنها أفعال مصطنعة.
ويوضح الهادي، أن الزلازل تحدث فقط فى مناطق النشاط الزلزالى المعروفة، مثل الأحزمة الزلزالية، وتحتاج إلى قوة طبيعية هائلة لإحداثها، وهى قوة لا يستطيع الإنسان التسبب بها، فالزلازل تحدث على أعماق كبيرة تحت سطح الأرض، تصل إلى كيلومترات داخل الصخور، وهى مناطق لا يمكن للبشر الوصول إليها أو إثارتها عمدًا لإحداث زلزال.
ولذلك، فإن ما جاء على لسان القبطان بشأن أن «الاضطرابات بفعل فاعل» لا أساس علميًا له، كما شدد على أنه لا توجد أى مؤشرات حالية أو متوقعة على حدوث زلازل كبيرة بالبحر المتوسط، خاصة أن الزلازل بطبيعتها ظواهر فجائية لا يمكن التنبؤ بها مسبقًا.
وفى هذا الصدد، يشير د. محمد على فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ بمركز البحوث الزراعية، إلى أن ما يُشاع حول حدوث اضطرابات بحرية كبرى بالبحر الأبيض المتوسط بسبب التغير المناخى « كلام غير صحيح»، مؤكدًا أن الأوضاع المناخية فى المدى القصير طبيعية أو أعلى قليلًا من المعدلات المعتادة لفصل الصيف، ولا توجد أحداث جوية أو بحرية غير متوقعة تستدعى القلق.
ظاهرة معروفة
ويؤكد فهيم أن اضطرابات البحر، فى الحقيقة ظاهرة طبيعية معروفة فى علوم البحار تُعرف باسم «الموجات الداخلية»، وتحدث هذه الظاهرة نتيجة لاختلاف كثافة طبقات المياه فى أعماق البحر بسبب تفاوت درجات الحرارة أو نِسب الملوحة، ما يؤدى إلى حركة متموجة داخلية لا تُرى بالعين المجردة، لكنها قد تظهر أحيانًا فى صور الأقمار الصناعية أو الفيديوهات من خلال تغير انعكاس الضوء على سطح البحر، مؤكدًا أن ما يُثار على صفحات التواصل الاجتماعى لا يحمل أى صفة علمية معتمدة، ولم يشير إلى أى قياسات أو بيانات علمية دقيقة يمكن الاعتماد عليها، وهو ما يجعل الكلام غير موثوق.
ارتفاع الأمواج
وحول ظاهرة ارتفاع الأمواج على السواحل المصرية خلال الأيام الماضية، يوضح فهيم، أن الرياح الشمالية الغربية القوية التى تشهدها السواحل الشمالية لمصر فى هذا التوقيت من العام تُعد من الظواهر الجوية الطبيعية، وهى مرتبطة بامتداد المرتفع الأزورى طوال فصل الصيف وقد يزيد فى بداية أو فى نهاية فصل الصيف، ما يؤدى إلى ارتفاع ملحوظ فى مستوى الأمواج، يصل أحيانًا إلى ما بين 3 و 4 أمتار، وهذه الرياح قد تسهم أيضًا فى تنشيط التيارات الداخلية فى البحر، وبالتالى تعزز من ظهور الموجات الداخلية.
ويؤكد فهيم، أن هذه الظاهرة طبيعية بنسبة 100%، وتتكرر فى مناطق عديدة حول العالم، لاسيما فى البحار شبه المغلقة مثل البحر المتوسط، كما شدد على أنه لا توجد أى مؤشرات علمية تدل على وجود نشاط زلزالى أو تسونامى أو نشاط بركانى كما يُشاع، ولفت إلى أن السبب الأساسى لارتفاع الموج حاليًا الرياح الموسمية، وهى معروفة ومتوقعة فى مثل هذا الوقت من العام.
معلومات وليس تخمين
ويُنَوِّه فهيم، إلى أن الخطورة الحقيقية لا تكمن فى الظاهرة البحرية ذاتها، بل فى الانسياق خلف المحتوى المتداول عبر مواقع التواصل الاجتماعى دون التحقق من مصادره أو الاستناد إلى أساس علمى، ففى عصر السوشيال ميديا، أصبح من السهل لأى شخص تصوير فيديو أو التعليق على ظاهرة طبيعية بأسلوب درامى يُثير الذعر، دون أن يمتلك خلفية علمية تؤهله للحديث فى مثل هذه الموضوعات الحساسة.
وحَذَّر من أن مثل هذه الممارسات تؤدى إلى نشر البلبلة بين الناس، وتهز ثقتهم فى المصادر العلمية الحقيقية، مؤكدًا أن تداول المعلومات دون تحليل علمى أو الرجوع إلى الجهات المختصة يُعد مصدرًا رئيسيًا لتضليل الرأى العام ونشر الذُعر الجماعي.
واختتم د. محمد فهيم، حديثه بالتأكيد على أهمية التعامل مع أى محتوى متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة تلك التى تتناول موضوعات مُعَقَّدة كالتغيرات المناخية أو الزلازل أو الظواهر البحرية، بكثير من الحذر والرجوع دائمًا إلى الجهات العلمية المختصة، فالعلم له أدواته، والمعلومة الصحيحة تحتاج إلى دليل، وليس مجرد انطباع أو تخمين.

من العشوائية إلى التطوير| «التونسى».. سوق عصرى بـ «استايل موحد»
«إعادة توظيف ثقافى وسياحى» على غرار العديد من الدول العربية والإسلامية
نصيب المصريين من المقامرات العالمية 1,7 مليار دولار!







