أصبحنا في دنيا معقدة لا شك! ولا شك أن هموم الدنيا ومغرياتها أصبحت تطاردنا، واختلط الحابل بالنابل لاشك ايضا! إلا إن القيمة لا تزال محفوظة برباطها القويم، مهما حاولنا الالتفاف حولها.
وإن ما أصبح يدور حولنا فيمسنا أو نراه أو نستمع إليه حتى في لعب الصبية في الشوارع، والكلمات الدخيلة "فلان باعني" و"فلان بيأفلم عليا" و"فلان بيبزنس على حسابي" "يا اسطا" وغيرها لا يمكن أن نصفها إلا بأنها بذور الندالة والخيانة، وأن أهلينا كانوا أسعد حظا منا في تجريم مثل هذه السلوكيات.
ومما لا شك فيه أن الغدر لا يموت ولا يتجمل ولا يمكن تزيينه لفترة طويلة وأن الندل وإن حقق فوزا في مرحلة فإن مصيره محتوم.
ويذكرنا التاريخ في صفحاته، التي توارى بعضها تحت بعض، بأن الغدر كان وما يزال حقيقة، يبغضها حتى أصحابها فيتوارون منها مرتدين أقنعة مزخرفة بحلو الكلام والألوان الفسفورية في محاولات لتزييف الشكل الأصلي له وإقناع النفس البشرية النقية بغير ذلك، إلا ان النتائج تفضحه في كل الأحوال.
ويحكي التاريخ بين صفحاته حكايات مشهورة للغدر والخيانة عرفها المثقفون وتأثروا بها لحظيا، إلا إنها غابت قيمها وتاهت بمجرد إغلاق هذا الكتاب العتيق، ذو الورقات المهلهلة.
إلا أن الحق أبلج، والقيم راسخة في تلك الحروف التي أصبحت باهتة بفعل ما تتابع عليها من أحداث، فلم تزل ومضات الخقائق عالقة في أذهان المصريين الأنقياء، ولأن السرائر أصبح كثير منها مشوه بفعل المصالح، فقد رفض أن يتبناها من حملوها، وإن كانت تظهر بين الآن والآخر في كلمات منمقة على المسارح وفي المحافل أو في تلك الشعارات المزيفة.
وربما كانت قصة (بروتس) من اشهر حكايات الغدر التي يحفظها المثقفون قولا لا إدراكا قيمياً، تلك الندالة والخثة التي تعرَّض لها مؤسس الإمبراطورية الرومانية (يوليوس قيصر) من أحد أهم قواده والمقرَّبين له وهو (ماركوس بروتس).
فلم يكن يجول في خلد الإمبراطور أن يطعنه بروتس في ظهره! فكان من شياكة الأباطرة إنهم لا يغدرون، حتى في القتال والمعارك، فهم لا يطعنون في الظهر ابداً.
وقتها وحين رأى قيصر طاعنه (الندل) قال كلمته الشهيرة: «حتى أنت يا بروتس».
ولأن القيمة تحيا وإن ندر حاملوها، فقد أصبحت مقولة القيصر المغدور به في عظمته، مثالاُ للغدر والخيانة، خصوصا ممن لا يظن فيهم ولا ينتظر منهم خيانة ابدا، وإن تقزمت حروفها.
ثم ماذا كان؟ فقد لقي بروتس مصيره الحتمي كأحد اشهر الخائنين في التاريخ وهو الخزي والهزيمة ثم مات منتحرا.
وللخيانات والندالات أوجه كُثر، تراها بين أحرف كتب التاريخ، كما أوضحتُ آنفا، فليست في لون واحد ولا نمط واحد محدد، إلا أنها تتفق غالبا في نتائجها، التي يُشم روائح نتنها حتى ولو كانت في كتابات الصفحات في الحكايات والقصص، يا حبذا لو كانت للحصول على مكاسب على حساب رفيق أو صديق أو حتى أن يتخلى الزميل عن زميله أو يحنث في وعد وعده إياه لنفس السبب.
و لعل من أشهر قصصها بعد قصة بروتس هي قصة خيانة الظاهر بيبرس لقطز سلطان المماليك، وتآمره عليه وقتله، بعد معركة عين جالوت، بعد الانتصار على المغول، ومتابعة تحرير باقي مدن الشام، حينها أرسل قطز قائده وصديقه بيبرس لطرد التتار من حلب وتسليمها للمسلمين.
وبعدما تم طردهم بالفعل، ورأى السلطان تولية علاء الدين ابن صاحب الموصل عليها، هنا رأى بيبرس إنه الأولى بالولاية وقرر قتل السلطان قطز.
وإن كانت هناك أسباب أخرى أقدم يحكيها المؤرخون، إلا إن ما حدث كان طعنا في الظهر وخيانة.
والحكايات والقصص كثيرة، يحكيها التاريخ والموروث الشعبي، ومنها قصة خيانة بدران لأدهم الشرقاوي، رغم أن أدهم كان يقترف جرائم لحساب الآخرين مقابل المال (قاتل مأجور) إلا إن التراث مثله بطلا من الأبطال، ورغم أن ما قيل عن بدران بأنه من وشي وأبلغ عنه الشرطة، فما يعلق في ذاكرة المصريين هي ندالة وغدر بدران بصديقه، بل رفضت ذاكرة المصريين أن تجعل للوشاية قيمة، حتى لو كانت لتحقيق العدالة.
وختاما دعونا نعترف أننا أصبح كثير منا متهاونا في واجباته نحو هذا الوطن، الذي أنفق فيه من سبقونا وبذلوا دماءهم لرفعته، أصبح كثير منا لا يعبأ بتجاوز القيم بدءا من الشارع والمدرسة والمؤسسة، وانتهاء بتلك العراقيل التي نعرقل بها من وكلنا الله بهم.
لك الله يا مصر
كاتب المقال : كاتب ومحلل و أستاذ نظم المعلومات الجغرافية

الفراعنة والمونديال!
ثلاثة مسارات إسرائيلية للتعامل مع مذكرة التفاهم الأمريكية الإيرانية
ضحايا العناد





