هو إجمالا «حالة» فريدة واستثنائية لا شك فى ذلك، لأن من يتحدث ثلاث لغات وأكثر بإجادة تامة يعتبر نفسه مميزا أو استثناء فى القاعدة، فما بالك وهو يتحدث 7 لغات حية هى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية واليونانية والألمانية والإيطالية ولغته الأم «العربية»، ويتقن 5 لغات قديمة هى اليونانية القديمة، العبرية القديمة، الآرامية، القبطية، اللاتينية، ويتعلم حاليا اللغة السادسة وهى «التركية العثمانية»، ليكون الإجمالى 13 لغة.
وصف «الدكتور جون دانيال» بكونه «حالة» لا يقتصر على تحدثه 12 أو 13 لغة بإتقان، فهذا رغم صعوبته وربما استحالته عند البعض يعتبر اجتزاء لمهارات الرجل وقدراته لأنك قد تجد مرشدا سياحيا بسيطا فى الأقصر أو الجيزة أو شرم الشيخ يتحدث عددا من اللغات، «لكن» وضع تحت «لكن» ما شئت من خطوط هناك فارق كبير بالطبع لأنه لا يتعلم اللغة فقط أو يتحدثها فقط فهو يتقنها ويدرس أصولها وجذورها ومقارناتها ويعلمها للآخرين، فهو الأستاذ الجامعى والباحث والمترجم والأديب والمدرس والأكاديمى والإعلامى المصرى الدكتور «جون دانيال»، الذى عرفته من برنامجه المتميز على منصات التواصل الاجتماعى «يجعل كلامنا خفيف» الذى يقدم من خلاله مقارنات علمية موثقة ودقيقة فى أصول اللغات وتوافقها واختلافها وتمازجها مبنيا على «البحث العلمي» المدروس الممنهج، وبعيدا عن كل «هبد» متداول على السوشيال ميديا ولو كان منتشرا أو مستشريا!
من خلال البرنامج يمزج دانيال بين الطرافة والبحث العلمى، ويقود الحلقات فى رحلة لُغوية ثرية تكشف أن مفرادتنا اليومية فى اللغة العربية تحمل آثارا لحضارات وتعاقب ثقافات على مرَّ العصور.. وهو ما ينطبق أيضا على اللغات الأخرى التى تفاعلت وتناقلت وامتزجت مفرداتها عبر الأزمان مع بعضها البعض.. والأهم محاولة التصدى للشائعات والأكاذيب اللغوية مثلما حدث مع تفسير كلمة «بولاق» أنها البحيرة الجميلة ومأخوذة عن اللغة الفرنسية، وأثبت دانيال أنها هذه «هبدة سوشيالية» لأن بولاق الدكرور أقدم بكثير من الحملة الفرنسية على مصر بل أن بعض آثارها أقدم من اللغة الفرنسية الحديثة ذاتها!!
وُلد جون دانيال فى القاهرة قبل 45 عاما تقريبا، لكن رحلة حياته الثرية أخذته شرقا وغربا فمر على ما يربو من 40 دولة أو يزيد أغلبها كان للاستزادة فى العلم والعمل وأقلها كان للثقافة والسياحة، لكن رحلته مع العلم أخذته إلى لبنان وألمانيا واليونان حيث درس اليونانية القديمة وغيرها من اللغات، ثم حصل على دكتوراه من فرنسا ودرس فى كلية اللاهوت الإنجيلية، وعدة جامعات أخرى فى مصر وخارجها.
اقرأ أيضًا | «بايوكى» عائلة إيطالية «صنعت فى مصر» قبل 125 عامًا
كان أول أسئلتى له من أين ولد هذا الشغف الكبير باللغات؟ ولماذا كل هذه الحصيلة المنوعة الثرية منها؟
يقول دانيال «لعلى من الأطفال القلائل على مستوى العالم الذين عندما سئلوا صغارا عن المهنة التى يحبونها كنت أقول «فيلسوف.. أريد أن أكون فيلسوفا»، هذا الشغف الكبير بالفلسفة فى الحقيقة هو ما دفعنى لتعلم اللغات، لا دراسة لأى فلسفة بدون تعلم اللغات القديمة وإتقانها وعلى رأسها اليونانية «القديمة» وهى لغة مستقلة بذاتها تماما عن اليونانية الحالية، إلى جانب اللاتنينية والعبرية القديمة والآرامية، ومن خلال قراءاتى وجدت أنه لا يوجد فيلسوف واحد لم يدرس اللغات القديمة ويتقنها حتى يتعمق فى علوم الفلسفة ويجيدها، كبار الفلاسفة مثل بارت ودى سوسير وغيرهم كانوا فى الأصل لُغويين بارعين».
وتابع قائلا: «ثم استمرت الرحلة مع العلوم واللغات وكلما أتقنت لغة حتى زاد شغفى بتعلم غيرها، حتى هذه اللحظة أجيد 12 لغة بإتقان والحمد لله، وأتعلم اللغة التركية العثمانية «القديمة» حتى استزيد فى القراءات التاريخية الخاصة بهذه الحقبة، دراسة اللغات ليست مجرد معرفة كلمات، بل تتبع رحلة المفردة منذ أصلها وحتى انتقالها عبر ثقافات أخرى، وأحيانًا عودتها مرة أخرى إلى لغتها الأم بترجمةٍ جديدة».
بحسب د. دانيال، يتحدث العالم حاليا أكثر من 7200 لغة حية، بينما اندثرت آلاف اللغات الأخرى على مدى عشرات القرون من الزمن، فاللغة «كائن حي» له دورة حياة.. أما عن أكثر دول العالم تحدثا بلغات مختلفة فليست «الهند» كما هو شائع، ولكن هناك مجموعة جزر «بابوا نيو غينيا» التى تضم وحدها أكثر من 840 لغة مختلفة بسبب الطبيعة الجبلية لهذه الجزر فصارت تعزل كل مجموعة عن الأخرى وبالتالى كل مجموعة تتحدث لغة!!، فى حين تتحدث الهند على كبرها 474 لغة، تسبقها فى الترتيب نيجيريا 525 لغة، والصين 302 لغة».
وعن تاريخ اللغة فى مصر يقول دكتور جون دانيال «مر على تاريخ مصر عدد من اللهجات القبطية المختلفة مثل الصعيدية، البحيرية، الأخميمية، الفيومية، والليكوبولتانية (نسبة إلى ليكوبوليس أو مدينة الذئاب والمقصود بها مدينة أسيوط).
وحول أكثر اللغات تأثيرا فى العامية المصرية، يقول: «اللغة التركية هى الأكثر تأثيرا فى الوقت الراهن باعتبارها آخر اللغات التى خالطت الحياة اليومية للمصريين عبر الحكم والعمل والزواج، رغم قصر مدة الحكم العثمانى مقارنة بالتأثرات الأقدم، وهناك مئات المصطلحات العامية المأخوذة من التركية مثل كل الكلمات التى تنتهى بـ «خانة» أجزاخانة وعربخانة وغيرها، وكل أسماء المهن التى تنتهى بالحرفين «جي» مثل عربجى ومكوجى وبوسطجى وأونطجى وبلطجى وتمرجى وأويمجى وغيرها، المصطلحات المتعلقة بالحكم والقيادة أيضا مأخوذ بعضها من التركية مثل فرمان، ميس، أفندم، حكمدار، باشا، وكلمات عديدة مثل أسطى، أوضة، شنطة، ترزى، كباب، شيش طاووق، جمرك، قفطان، يشمك، تمام، عفارم وغيرها الكثير من أصل تركي.
ويضيف أن الكثير من مصطلحاتنا العامية متأثرة أيضا بحياتنا على نهر النيل منذ القدم، مثل «مطرح ما ترسى دُقلها» و»عزومة مركبية» وغيرها.
وحول مشاريعه المستقبلية يقول أعكف حاليا على كتابة رواية بعنوان وزارة العدل، وكتابًا جديدًا يناقش سؤالًا شائكا جدا: كيف نشأت اللغة؟
وفى ختام حديثه يؤكد دكتور جون أن اللغة ليست كلمات فقط، بل «بناء متكامل» يشبه البيت؛ الكلمات قشرته الخارجية، أما أعمدته فهى الاستخدامات التداولية التى تمنحه الحياة.. ويرى أن اللغات على تنوعها تقرب بين البشر، والإنسان مهما اختلفت لغته يظل مشتركًا مع الآخرين فى الكثير من القيم والمعاني.
ومن هنا تأتى قناعته بفكرة ما بعد الحداثة والمتمثلة فى أن «الصحيح هو ما تؤمن به بصدق من داخلك».
وبهذا المزج بين الفلسفة واللغة، يواصل دانيال رحلته باحثًا عن جذور الكلمات، ومؤمنًا أن دراسة اللغات ليست علمًا فقط، بل نافذة لفهم الإنسان والوجود.
فنون العمارة المصرية تداخلت وامتزجت عبر ألف عام
مستشفيات جامعة المنيا «امتياز»| وحدة السكتة الدماغية ضمن أفضل 10 مراكز عالميًا
جبانة الشاطبى تحت التهديد| المياه الجوفية تعود.. والآثار: مشكلة مؤقتة وجارٍ حلها





