فى عام 1826 تقدم عدد من الباحثين الإنجليز بطلب إلى محمد على باشا للسماح لهم بانتزاع عتب من حجر البازلت من أحد المساجد القريبة من باب النصر بالقاهرة.
لم يكن الحجر عاديًا؛ فقد حمل على جانبيه نقوشًا مصرية قديمة رأى الباحثون أنها جديرة بالدراسة والبحث. لكن الرد جاء حاسمًا؛ رفض محمد على باشا الطلب رفضًا قاطعًا، مؤكدًا أنه لا يجوز نزع أى كتلة حجرية من مبانى المساجد، لأنها أصبحت جزءًا لا يتجزأ منها.
هذه الواقعة أوردتها د. رضوى زكى، كبير الباحثين فى مكتبة الإسكندرية، فى مقدمة كتابها «العناصر المعمارية الفرعونية المستخدمة فى آثار القاهرة الإسلامية»، الصادر عن دار نشر «منشورات بتانة»، والذى رصدت فيه بالتفاصيل كيف وصلت الأحجار الفرعونية إلى عمائر القاهرة الإسلامية؟ ولماذا بقيت فيها حتى اليوم؟ وما الذى تقوله لنا هذه الظاهرة عن علاقة المصريين بتراثهم القديم؟
وتؤكد الواقعة أيضًا أن الحجر الذى كان يومًا جزءًا من أثر فرعونى اكتسب بعد إدماجه فى منشأة إسلامية هوية جديدة وحرمة جديدة، وأصبح شاهدًا على تواصل عصور التاريخ المصرى لا على صراعها؛ فالقاهرة الإسلامية ما زالت تحتفظ حتى اليوم بعشرات العناصر المعمارية الفرعونية التى أعيد استخدامها فى مساجدها ومدارسها وأسوارها وأبوابها، بعضها ما زال يحمل نقوشه الهيروغليفية بوضوح بعد مرور قرون طويلة، وهى ظاهرة تفتح بابًا واسعًا للتساؤل: كيف تعامل المسلمون فى مصر مع آثار الحضارة المصرية القديمة؟ وهل كانت العلاقة قائمة على الرفض والمحو، أم على الاستيعاب والاستفادة والحفاظ؟
توجهت بهذه الأسئلة للدكتورة رضوى زكى؛ وأجابت بوضوح: «يُعد التفاعل مع الآثار المصرية القديمة التى وجدها العرب والمسلمون نصب أعينهم فى مصر، أو الكتابة المصرية المنقوشة على تلك الآثار، قديم قدم دخول العرب إلى مصر عام 21هـ/642م.
وقد ذكرت المصادر التاريخية العربية التى ذكرت فضائل مصر ومحاسنها ما يدلنا على انبهار العرب بالتراث المصرى القديم، ولكن حين نتحدث عن إعادة استخدام الكتل الحجرية المدون عليها نقوش هيروغليفية، يبدو الأمر غامضًا بعض الشىء!
وتضيف د. رضوى «حفِظت لنا آثار القاهرة الإسلامية العديد من النماذج الباقية لتشير لهذه الظاهرة، وأقدم تلك النماذج تعود لعهد الدولة الفاطمية؛ حيث نجد فى أسوار القاهرة وأبوابها التى تعود لعهد بدر الجمالى العديد من الأحجار التى ما زالت تحمل نقوشًا هيروغليفية واضحة.
ولما استمرت القاهرة فى التوسع والامتداد مع عصر الدولة الأيوبية والمملوكية، وازدادت حينها وتيرة التشييد والبناء، زاد استخدام العناصر المعمارية المصرية القديمة بما يعكس كثرة منشآت القاهرة وتنوعها، وخاصة فى عصر سلاطين المماليك حين كانت القاهرة ليست فقط عاصمة مصر؛ بل والعالم الإسلامي.
وتشير د. رضوى إلى أن اللافت للانتباه أن هذه الأحجار التى تحمل بصمات المصريين القدماء، لعبت دورًا جديدًا فى المنشآت الإسلامية كالمساجد والمدارس، التى حفظت لنا هذا التراث، وأصبحت جزءًا لا يتجزأ منها.
ومع الاهتمام المتنامى بالآثار فى نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بدأ بعض الباحثين فى الاهتمام بتوثيق هذه الظاهرة، ونُقلت بعض العناصر المعمارية المصرية القديمة إلى المتحف المصرى ببولاق، أو إلى متاحف أخرى خارج مصر، بينما ظل الجانب الأكبر منها مستقرًا موضعه فى منشآت القاهرة المعزية، شاهدًا على حضارات مرت على أرض مصر.
من جانبه أكد د. أسامة طلعت، أستاذ العمارة الإسلامية والقبطية، أن الأبحاث العلمية أكدت أن المسلمين لم يهدموا الآثار المصرية القديمة بدليل بقائها قائمة حتى يومنا هذا، وإنما اقتصر الأمر على الاستعانة بالأحجار المتساقطة أو المبانى المتهدمة وإعادة توظيفها كمواد بناء رخيصة وقوية. ولم تقتصر حركة إعادة التدوير والاستخدام على هذه الآثار فحسب، بل امتدت لتشمل الآثار الإسلامية نفسها فى عصور لاحقة دون ارتباطها بأى هدم متعمد أو خلفيات أيديولوجية.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث لأخشاب القصر الفاطمى الشرقى بعد سقوط الدولة الفاطمية عام 567 هجرية وتقسيم أراضيه بين أمراء الدولة الأيوبية؛ حيث أُعيد استخدام تلك الألواح الخشبية الثمينة لاحقًا فى العصر المملوكى داخل مجموعة المنصور قلاوون التى تضم القبة والمدرسة والبيمارستان.
ويضيف د. أسامة أن أبحاث الأربعينيات من القرن الماضى كشفت عن هذه الألواح التى استخدمت كإزار علوى وعُرفت بألواح قلاوون، ليتبين أن ظهرها يحمل نقوشًا فاطمية أصلية بينما نُحتت على وجهها نقوش وزخارف مملوكية حديثة.
هنا تبرز أهمية تتبع العناصر المعمارية الفرعونية الباقية فى عمائر القاهرة الإسلامية باعتبارها وثائق حية تكشف كيف استطاعت القاهرة، على مدى قرون طويلة، أن تبقى شاهدة على أن الحضارات فى مصر لم تتعاقب فحسب، بل تراكمت فوق بعضها.
مستشفيات جامعة المنيا «امتياز»| وحدة السكتة الدماغية ضمن أفضل 10 مراكز عالميًا
جبانة الشاطبى تحت التهديد| المياه الجوفية تعود.. والآثار: مشكلة مؤقتة وجارٍ حلها
«نهطاى» الذكية| أول قرية خضراء بالدلتا ونموذج ريفى يحتذى به





