مواجهة التصحر على الطريقة الصينية

عيون مصرية ترصد مشروع «السور الأخضر العظيم»

مشروع «السور الأخضر العظيم»
مشروع «السور الأخضر العظيم»


قبل عقود قليلة، كانت مساحات واسعة من شمال الصين تواجه زحف الرمال والتصحر وتدفع البلاد ثمنًا بيئيًا باهظًا نتيجة النمو الصناعى السريع، أما اليوم فقد تحولت أجزاء من تلك المناطق إلى نموذج عالمى فى استعادة الغطاء النباتي، وإنتاج الطاقة النظيفة، وتوظيف التكنولوجيا فى حماية البيئة، فى تجربة باتت تستقطب اهتمام الباحثين والخبراء من مختلف دول العالم.

هذه الصورة لم تكن مجرد عرض نظرى داخل قاعات التدريب، بل واقع ميدانى اطلع عليه مشاركون فى برنامج دولى حول بناء القدرات فى دبلوماسية المناخ والحوكمة العالمية للدول النامية رصد فيه وفد مصرى ملامح التجربة الصينية فى مكافحة التصحر، مستندًا إلى مشاهدات ميدانية امتدت من بكين إلى دونهوانغ خلال مشاركته فى البرنامج الذى نظمته الحكومة الصينية حيث شملت الزيارات عددًا من المشروعات البيئية والبحثية التى تعكس فلسفة الصين فى التعامل مع تغير المناخ ومكافحة التصحر.
تكشف الأرقام حجم التحول الذى حققته الصين خلال العقود الماضية، فوفق بيانات منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO)، تمتلك الصين نحو ربع الغابات المزروعة حديثًا فى العالم، بينما ارتفعت نسبة الغطاء الغابى من نحو 12% فى أوائل ثمانينيات القرن الماضى إلى أكثر من 24% فى السنوات الأخيرة، بفضل برامج تشجير متواصلة وسياسات طويلة الأجل. ويعد مشروع «السور الأخضر العظيم»، الذى انطلق عام 1978 ويستمر حتى عام 2050، أكبر مشروع تشجير على مستوى العالم، ويهدف إلى الحد من زحف الصحراء وحماية الأراضى الزراعية والمدن فى شمال الصين.
ومن أبرز محطات الزيارة مدينة دونهوانغ التاريخية، الواقعة على أطراف الصحراء التى أصبحت نموذجًا يجمع بين التراث الإنسانى والتكنولوجيا الحديثة، حيث تعمل محطة للطاقة الشمسية الحرارية تعتمد على تقنية الملح المنصهر، وتستخدم أكثر من 12 ألف مرآة ذكية لتركيز أشعة الشمس على برج مركزى لتخزين الطاقة وإنتاج الكهرباء بصورة مستقرة على مدار 24 ساعة، حتى بعد غروب الشمس، دون الحاجة إلى بطاريات ضخمة.
وبالنسبة لمصر، تكتسب هذه التجربة أهمية خاصة فالصحارى تمثل نحو 95% من مساحة البلاد، بينما تتركز الأنشطة الزراعية والعمرانية فى نطاق محدود. ومع التوسع فى مشروعات استصلاح الأراضى والطاقة الجديدة والمتجددة، تصبح الخبرة الصينية فى مكافحة التصحر، وإدارة الموارد الطبيعية، والاعتماد على البحث العلمي، مصدرًا مهمًا للدروس التى يمكن الاستفادة منها.. وتؤكد التجربة الصينية أن مواجهة التصحر لا تتحقق بحملات تشجير موسمية، بل برؤية طويلة المدى، واستثمارات فى العلم والتكنولوجيا، وإرادة سياسية تضع البيئة فى قلب مشروع التنمية. وهى رسالة تتجاوز حدود الصين، لتقدم نموذجًا يمكن أن تستلهمه الدول التى تواجه تحديات المناخ، وفى مقدمتها دول العالم النامي.