حـضور

د. سعيد المصرى و«صانع القرار»

طارق الطاهر
طارق الطاهر


طارق الطاهر

كثيرًا ما أتوقف عند كتابات د. سعيد المصرى بالإعجاب الشديد، لدقة تحليلاته التى تأتى بلغة ليست متعالية، بل لديه امتلاك واسع لناصية اللغة، تمكنه من التعبير عن أفكاره العميقة بسلاسة لافتة للنظر.
د. سعيد المصرى هو واحد من أبرز علماء الاجتماع المصريين والعرب فى الوقت الحاضر، إن لم يكن أبرزهم على الإطلاق، إذ يخوض دائمًا معارك تنويرية، لافتا النظر لأصحاب القرار فى بلادنا، ويتوقف عند ظواهر اجتماعية، محللا لها، ومرشدًا لعلاجها، أو على الأقل راصدًا لخطورتها على سلامة المجتمع وصحة بنيانه.
تذكرت كل ذلك وأكثر، وأنا أقرأ بوسته الأخير على صفحته على «الفيس بوك» الذى انطلق من حدث يمر بنا مئات بل آلاف المرات يوميًا، فيروى عالم الاجتماع المميز والقدير: «أحد عمال الدليفرى الذى يعمل فى إحدى الشركات العملاقة لتوصيل طلبات الزبائن جاءنى وهو فى حالة الأعياء الشديد. ويتمتم بكلمات خافتة: الحمد لله ربنا ستر؟! كانت يداه مرتعشتين وهو يعطينى الطلب، أخذته منه وسألته: إيه الحكاية! قال: إنه خلال مجيئه لى صدمته سيارة وأوقعته على الأرض هو والدراجة البخارية (الموتوسيكل) التى يركبها، فقلت له: الحمد لله أنك بخير وأعطيته كوب ماء، وتعاطفت معه وطلبت منه أن يستريح بجوار البيت، ثم أعطيته كوب عصير، لكى يهدأ، كان وجهه شاحبًا مذعورًا، وهو فى العشرينيات من عمره».
ويستمر الحديث بينهما لنكتشف أن هذا الشاب يعمل لأكثر من 12 ساعة بلا مقابل من الشركة الملتحق بها، وأن عليه أقساط الموتوسيكل إلى جانب التزاماته مع أسرته، وبأى طريقة يسعى إلى تحقيق النقاط، حتى لا يفقد عمله.
وحكى له عن الحوادث التى يتعرض لها هو ومن يمتهنون هذه المهنة، التى أصبحت «قنابل موقوتة» فى المجتمع المصرى الآن؛ شباب يحاولون العمل، الذى يتطلب منهم سرعة، تودى بحياتهم إلى الخطر، هم ومن يسيرون فى الشارع، الذى أصبح بفضلهم فى أماكن كثيرة غير آمن، بسبب سرعتهم، المبررة من جانبهم «أكل العيش».
لذا لابد أن ننصت إلى ما انتهى إليه العالم الكبير سعيد المصرى ونضعه بين أيدى «صانع القرار»: «إن العمل اللائق والآمن والمستدام هو الوضع الأفضل لمن يعمل وللمجتمع ككل، ولهذا أتمنى أن تتعامل الحكومة بحزم مع هذه الشركات وإلزامهم بالحفاظ على حقوق هؤلاء العمال، وبإجراءات تحفظ لهم كرامتهم الإنسانية» وأضيف لهذه الروشتة من قبل د. سعيد، وتحفظ لنا أيضًا الأمن الواجب فى الشارع، فهؤلاء يعرضون حياتهم وحياتنا لخطر داهم مستمر، لهم عذرهم ولنا تخوفاتنا، ولـ «صانع القرار» حمايتنا نحن الاثنان بقرارات ملزمة لشركات لا يهمها سوى رصيدها فى البنوك.