إنها مصر

هلاوس نتنياهو!

كرم جبر
كرم جبر


الخلاصة هى أن مصر لن تسمح بإعادة إنتاج النكبة عن طريق رفح، وما يحاول نتنياهو تمريره اليوم ليس سوى هروب إلى الأمام، فى محاولة يائسة لإلقاء تبعات جرائمه فى غزة على الآخرين.

لم يتغير موقف مصر منذ اندلاع الأزمة، لا لتهجير الفلسطينيين، لا لتمرير المؤامرات عبر حدودها، ولا لأى محاولة لتصفية القضية الفلسطينية، وعلى الاحتلال أن يفهم أن اللعب بالنار لن يؤدى إلا إلى إشعال المنطقة بأسرها، وأن كل خطوة فى هذا الطريق تزيد عزلته وتفتح عليه أبواب جهنم.

ولا يكاد يمر أسبوع دون أن يخرج بنيامين نتنياهو على العالم بخطابات «جر شَكَل»، وآخرها خرافة «إسرائيل الكبرى»، ومن يتأمل هذه التصريحات يكتشف سريعاً أنها ليست سوى محاولة للهروب من الداخل الإسرائيلى المأزوم ومستنقع غزة الذى دخله ولا يعرف كيف يخرج منه.

تلميحات نتنياهو بشأن اسرائيل الكبرى لجوء الى الأوهام الجغرافية والسياسية، يفتقد القدرة على بناء استقرار حقيقى داخل دولته، وبدلاً من أن يواجه نتنياهو أزماته الداخلية، يهرب إلى شعارات توسعية لا تجد صدى .

نتنياهو لا يزال مطاردا فى إسرائيل باحتجاجات متصاعدة وأزمات سياسية متلاحقة واتهامات بالفساد، ولا يجد أمامه سوى العودة إلى الخطاب التوسعى القديم كوسيلة لإشغال الرأى العام، وصناعة عدو خارجى يُخفى به عجزه عن معالجة مشكلاته الداخلية، والدولة التى تمتلك استقراراً حقيقياً لا تحتاج إلى التلويح بشعارات توسعية لتثبت وجودها.

مصر لا تشغل نفسها بشعارات فارغة، وتركز على حماية أمنها القومى وصون حدودها، وعلى مدى السنوات الماضية واجهت تحديات ضخمة على كل الجبهات، من الجنوب حيث أُغلقت منافذ الإرهاب عبر السودان، إلى الغرب حيث تحوّلت حادثة الواحات عام ٢٠١٧ إلى نقطة انطلاق لتشديد القبضة الأمنية على الحدود الغربية، وفى الشرق يقف جيشها على أهبة الإستعداد، وتحولت سيناء إلى مقبرة للإرهابيين والإرهاب، أما فى الشمال فقد توقفت «مراكب الموت» التى كانت تحصد أرواح الشباب، لتحل محلها مشروعات تنموية غيرت ملامح السواحل المصرية.

مصر لا تكتفى بحماية نفسها فقط، بل تتحرك كقوة توازن إقليمي، تمنع المنطقة من الانزلاق إلى فوضى شاملة، وفى حين يبيع نتنياهو الوهم لشعبه، تبنى مصر حقائق يمكن قياسها ورؤيتها فى الحدود الآمنة والاستقرار داخلي، ومكانة متصاعدة فى الإقليم.

وفى لحظة إقليمية شديدة الاضطراب، تمارس القاهرة دورًا يتجاوز حدودها الجغرافية، إذ لا تنشغل فقط بتحصين جبهتها الداخلية، بل تتحرك باعتبارها رمانة الميزان فى معادلة الأمن الإقليمي، من خلال سياساتها المتوازنة، وحرصها على منع الانفجار الشامل فى المنطقة، وتفرض مصر حضورًا مختلفًا عن النهج الذى يتبعه قادة آخرون، وعلى رأسهم نتنياهو، الذى يكتفى بتسويق شعارات الوهم لجمهوره الداخلي.

الخلاصة ان مصر تستند إلى حقائق ملموسة: حدودها المستقرة وتماسك داخلى ومكانة سياسية متنامية تجعلها طرفًا لا غنى عنه فى أى معادلة تخص مستقبل الشرق الأوسط، وهكذا تبرز المفارقة بين «هلاوس نتنياهو» وبين سياسات تُترجم على الأرض حقائق راسخة.