فى كل ذكرى لمولد النبى -صلى الله عليه وسلم-، يقفز داخلى سؤال مُحير عن حياته: كيف استطاع أن يحمل فكرة الإسلام وينشرها فى ربوع الأرض، وهو الذى خرج من قرية صغيرة، دون قوةٍ تُسانده أو جاهٍ يُدعمه؟
لقد حمل -صلى الله عليه وسلم- فكرته وحيدًا، دون أن يكون زعيمًا فى قومه أو ملكًا عليهم، ومع ذلك وصلت دعوته إلى الآفاق، وانتشرت فى العالم، واستمرت حتى يومنا هذا، ليصبح الإسلام ثانى أكثر ديانة انتشارًا بعد دعوة المسيح عليه السلام.
صحيح أن الله عز وجل كان ناصرًا له، ولكن سنة الله فى الكون أن يُربط التوفيق بالأسباب، وكانت الأسباب هنا متوقفة على جهد النبى -صلى الله عليه وسلم-، صاحب الرسالة، الذى تحمل مسئولية البلاغ، والإقناع، وسوق الأدلة والبراهين على عدالة الإسلام، وسط مجتمع وثنى يعبد الأصنام.
لقد واجه النبى -صلى الله عليه وسلم- عوائق تكفى لإحباط أى صاحب دعوة؛ فقد حاربه قومه، وشوهوا صورته، وحاصروه، وصادروا أمواله، وأجبروه على الهجرة إلى قوم لا يعرفهم، ليجد بينهم مَن ينصره ويؤمن بفكرته.
نشأ -صلى الله عليه وسلم- يتيمًا، وعاش حياةً مليئة بالألم؛ فقد والده ثم والدته، وظلمه قومه، وفقد زوجته خديجة، وعمه أبا طالب، وأبناءه، كان الحزن يسير معه، ومع ذلك جاب البلاد ناشرًا دعوته، متحملًا المعارك، والاتهامات الجائرة، والتشويه المتعمد.
ورغم أنه لم يعش طويلًا (63 عامًا)، إلا أنه أتم نشر دعوته خلال 23 عامًا فقط.
أما المسيح عليه السلام، فقد عاش 33 عامًا فقط، لكنه بلغ برسالته مبلغًا عظيمًا، وفى تقديرى، فإنه كان مؤيدًا بمعجزات خارقة ساعدت فى انتشار المسيحية، مثل ولادته المعجزة، وشفاء المرضى، وإحياء الموتى، وهى معجزات لم تُمنح للنبى محمد -صلى الله عليه وسلم-، مما يجعل مهمته أكثر تحديًا، إذ اعتمد على قوة الفكرة وعقلانيتها، باعتبارها امتدادًا لتوحيد الله، ومواجهة لعبادات الأوثان.
لقد حقق محمد والمسيح عليهما السلام معجزة الجهد البشرى فى نشر فكرتيهما، لتصبحا أكبر ديانتين فى العالم، رغم مرور قرون طويلة عليهما؛ فالإسلام عمره نحو 1500 سنة، والمسيحية نحو 2025 سنة، وربما كان تفوق أعداد المسيحيين فى العالم راجعًا إلى فارق الزمن بين ولادة المسيح فى الجليل وولادة محمد فى مكة، وهو نحو 500 سنة.
الإسلام والمسيحية ديانتان عظيمتان، تدعوان إلى توحيد الله، وتحفظان للإنسان توازنه النفسى، وعلاقته بالخالق، ولهذا كانت جهود النبى -صلى الله عليه وسلم- والمسيح -عليه السلام- جهودًا خارقة، تستحق التأمل والإجلال.
ولم تكن الجيوش هى عامل حسم فى انتشار دعوتيهما، بل كانت الكلمة الصادقة، والخلق العظيم، والعدل الذى لمس الناس أثره فى حياتهما، لقد انتشرت الرسائل لأنها خاطبت القلوب قبل العقول، ولامست الفطرة قبل أن تفرض بالقوة، فالدعوة بُنيت على الرحمة والصبر والحكمة، فلا تحتاج إلى سيوف لتصل، بل يكفيها أن تكون حقًا يقال، فيُسمع، فيتبع.
من هنا، أجد أن العبقرية الحقيقية لا تكمن فى المعجزات الخارقة، بل فى القدرة على تحويل الألم إلى أمل، والضعف إلى قوة، والفكرة إلى حضارة، لقد كان محمد -صلى الله عليه وسلم- والمسيح -عليه السلام- نموذجين خالدين للإنسان الذى يحمل رسالة، ويؤمن بها، ويجعل منها نورًا يهتدى به العالم، وفى كل ذكرى لمولده -صلى الله عليه وسلم-، لا نحتفل فقط بمجيئه، بل نحتفل بانتصار الإنسان المؤمن على المستحيل.

ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون
حكاية الأربعاء
هل يفعلها المنتخب؟







