فى عالم تتغير خرائطه بسرعة، وتُعاد صياغة موازين القوة فيه بالاقتصاد قبل السلاح، اختارت مصر أن تكتب قصتها الجديدة بلغة مختلفة. لم تعد أسيرة تقارير المانحين أو شروط مؤسسات التمويل، بل راحت تبحث عن سردية وطنية خالصة، تقدم للعالم ولأبنائها إطارًا جامعًا يعيد الاعتبار إلى التنمية بوصفها قضية هوية ومصير. تلك السردية، التى تستعد وزارة التخطيط والتعاون الدولى لإطلاقها غداً ؛ ليست وثيقة لتزيين الأرشيف، بل محاولة لصياغة عقد اجتماعى واقتصادى جديد يجمع بين طموحات الدولة وأحلام المواطن وتطلعات المستثمر ورؤية المجتمع الدولى لشريك إقليمى صاعد.
جوهر هذه السردية أن التنمية لم تعد ترفًا ولا استجابة مؤقتة للمُقرضين، بل مشروع وطنى مُستدام يستند إلى خمس ركائز: الاستقرار الكلي، الاستثمار، الصناعة والتجارة، سوق العمل، والتوزيع العادل للتنمية عبر المحافظات. لكنها ليست مجرد عناوين، بل إعلان عن تحول سياسى واقتصادي؛ مصر التى عبرت سنوات الإصلاح تحت مظلة صندوق النقد تقف اليوم أمام مرحلة جديدة «ما بعد الصندوق» ، حيث تتحرر من عباءة الشروط الخارجية لتصوغ بنفسها شروط نهضتها.
وللسردية بُعد سياسى لا يقل أهمية عن مضمونها الاقتصادى. فهى تأتى فى لحظة عالمية تتسابق فيها الدول على الاستثمارات وسلاسل الإمداد، وتتصارع فيها القوى الكبرى على النفوذ. وهنا تقدم مصر نفسها كنموذج للاستقرار فى بحر مضطرب، وكشريك جدير بالثقة فى محيط يموج بالأزمات. حتى التسمية «السردية الوطنية» تحمل رسالة ؛فالقصة ليست أرقامًا باردة، بل حكاية تُروى للعالم وللمواطن فى آن، تقول: إن التنمية ليست حكرًا على العاصمة ولا على النخب، بل مشروع يطرق أبواب الصعيد وسيناء والدلتا والساحل الغربى معًا.
السياسة إذن فى خدمة الاقتصاد، والاقتصاد فى خدمة السياسة. فبناء سردية شاملة لا يطمئن المستثمر وحده، بل يبعث برسالة إلى الداخل بأن الأولويات تُعاد صياغتها على أسس أكثر عدلاً واستدامة. وهى أيضًا رسالة إلى الخارج أن مصر لم تعد فى موقع المحتاج، بل فى موقع الشريك الذى يضع رؤيته ومصالحه وأجندته على الطاولة. إنها نقلة جوهرية من إصلاح مفروض إلى إصلاح مملوك وطنيًا.
ومع ذلك، يبقى التحدى الأكبر هو التنفيذ. فالسردية مهما بلغت بلاغتها تظل حبرًا على ورق إن لم تتحول إلى سياسات ملموسة تنعكس على حياة المواطن. فالمصرى لا يقرأ فى تقارير البنك الدولي، بل فى ثمن الخبز وسعر الدواء وفرص العمل. نجاح السردية الوطنية سيتوقف على قدرتها على تحويل الأهداف الكبرى إلى تحسين يومى محسوس فى معيشة الناس، وعلى بناء جسور الثقة بين الدولة ومواطنيها.
ومع إدراك هذه التحديات، تبقى اللحظة فرصة تاريخية. فمصر التى دفعت كلفة الإصلاح بشجاعة تدخل مرحلة أكثر نضجًا .الاستثمار فى الإنسان والمكان، توزيع عادل للموارد، وبناء اقتصاد إنتاجى قادر على المنافسة، لا اقتصاد قائم على قروض وأموال ساخنة. إنها فرصة لتصحيح أخطاء الماضي، وتأسيس بيئة استثمارية جاذبة لرءوس الأموال النوعية طويلة الأمد.
السردية الوطنية ليست إطارًا اقتصاديًا فحسب، بل إعلان هوية سياسية: أن مصر تكتب قصتها بنفسها، فاعلة لا مفعولًا بها. أن تتحرر من عباءة الماضى وتفتح نافذة على المستقبل.

لا إفادة فى الإعادة
هنا القاهرة
أخلاق الإخوان الرديئة «٢»







