خواطر الشعراوى| حدود ملك الله

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 255 من سورة البقرة قائلا: وعندما يقول: إن الكرسى وسع السماوات والأرض، إذن، فهو أعظم من السماوات والأرض أى دخل فى وسعه السماوات والأرض.

ولذلك يقول أبو ذر الغفارى رضى الله عنه: سألت النبى عن الكرسى فقال: يا أبا ذر ما السماوات السبع والأرضون السبع عند الكرسى إلا كحلقة ملقاة بأرض فلاة.

وإن فضل العرش على الكرسى كفضل الفلاة على تلك الحلقة والبشرية بكل ما وصلت له من إنجازات علمية قد وصلت إلى القمر فقط وهو مجرد ضاحية من ضواحى الأرض، ومفصول عنا بمسافة تقاس بالثوانى الضوئية، ولقد تعودنا فى حياتنا أن نستخدم وحدات الميل والكيلومتر لقياس الأطوال والأبعاد الكبيرة، لكننا اكتشفنا أن هذه الوحدات ليست ذات نفع فى قياس أبعاد النجوم؛ لأننا نعرف مثلا أن الشمس تبعد عن الأرض ثلاثة وتسعين مليونا من الأميال، ولكن عندما نريد أن نرصد المسافة بيننا وبين أحد النجوم فلسوف نضطر إلى استخدام أعداد كثيرة من الأصفار أمام رقم ما، وهذا يجعل التعبير غير عملي، ولهذا السبب وضع علماء الفلك وحدة ملائمة لقياس أبعاد النجوم وهى ما نسميه السنة الضوئية.

ونحن نعرف أن سرعة الضوء حوالى ثلاثمائة ألف كيلومتر فى الثانية. ولذلك فقياس أى مسافة بيننا وبين أى نجم فى السماء أمر يحتاج إلى حسابات دقيقة وكثيرة ودراسة علوم متعددة فالشمس بيننا وبينها ثلاثة وتسعون مليونًا من الأميال ويصلنا ضوؤها فى خلال ثمانى دقائق وثلث الدقيقة.

والشعرى اليمانية وهى ألمع نجوم السماء يصل إلينا ضوؤها فى تسع سنوات ضوئية. إذن فالسنة الضوئية هى وحدة لقياس المسافات الفلكية.

ونحن نذهل عندما نعرف أن بعض النجوم يصل ضوؤها إلينا فى خمسين سنة ضوئية!! كل ذلك ونحن لم نصل بعد إلى السماء الدنيا، فما بالنا ببقية السماوات؟ إذن فحدود ملك الله فوق تصورنا. ولنا أن نعرف أى تكريم من الحق للمؤمنين حين يصور لنا ضخامة الجنة يقول سبحانه: «سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ والله ذُو الفضل العظيم» ﴿الحديد: ٢١﴾ هذه هى الجنة التى أعدها الله للمؤمنين بالله ورسله الذين يسارعون إلى طلب غفران الله فإذا كان عرض الجنة هو السماوات والأرض، فما طولها إذن؟ وكم يكون بعدها؟ والعرض كما نعرف هو أقل البعدين.

إذن يجب أن نفهم أن هناك عوالم أخرى غير السماء والأرض، لكن عيوننا لا تبصر فقط إلا ما أراده الحق لنا من السماء والأرض، ولذلك فعندما نسمع قول الحق: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض» فلنا أن نتخيل أى عظمة هى عظمة كرسى ذى الجلال والإكرام.

إن الحق يقول: «وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السماوات والأرض وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا»، ومعنى آده الشيء، أى أثقله وحتى نفهم ذلك هب أن إنسانًا يستطيع أن يحمل عشرة كيلوجرامات، فإن زدنا هذا الحمل إلى عشرين من الكيلوجرامات فإن الحمل يثقل عليه، ويجعل عموده الفقرى معوجًا حتى يستطيع أن يقاوم الثقل.

فإن زدنا الحمل أكثر فقد يقع الرجل على الأرض من فرط زيادة الوزن الثقيل. إذن فمعنى «وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا» أى أنه لا يثقل على الله حفظ السماوات والأرض.

إن السماء والأرض وهما فوق اتساع رؤية البشر؛ فقد وسعهما الكرسى الرباني. وقال بعض المفسرين: إذا كان الكرسى لا يثقل عليه حفظ السماوات والأرض فما بالنا بصاحب الكرسي!!؟ هاهو ذا الحق سبحانه وتعالى يطمئننا فيقول: «إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ وَلَئِن زَالَتَآ إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا» ﴿فاطر: ٤١﴾ إنه الحق وحده سبحانه وتعالى الذى يحفظ السماوات والأرض فى توازن عجيب ومذهل، ولئن قُدِّرَ لهما أن تزولا. فلن يحفظهما أحد بعد الله، أى لا يستطيع أحد إمساكهما؛ فهما قائمتان بقدرة الواحد القهار، وإذا أراد الله أن تزولا فلا يستطيع أحدٌ أن يمسكهما ويمنعهما من الزوال.

وإذا كانت هذه الأشياء الضخمة من صنع الله وهو فوقها، فإنه عندما يصف نفسه بأنه «عليّ» و«عظيم» فذلك أمر طبيعي. إن الحق سبحانه وتعالى يعطينا تذييلًا منطقيًا يقتضيه ما تقدمت به الآية الجليلة: آية الكرسي، إنه الحق يقول: «وَهُوَ العلى العظيم» وكلمة «عليّ» صيغة مبالغة فى العلو.

و«العليّ» هو الذى لا يوجد ما هو أعلى منه فكل شيء دونه. هذه الآية الكريمة التى نحن بصددها نعرفها بآية الكرسي؛ لأن كلمة «الكرسي» هى الظاهرة فيها. وكلمة «الكرسي» فيها: تعنى السلطان والقهر والقدرة والملكية وكلها مأخوذة من صفات الحق جل وعلا.