■ كتب: حسن حافظ
في وقت تسابق الأجهزة المعنية الزمن من أجل إعادة إحياء حديقة الأزبكية التاريخية، عادت الروح إلى سور الأزبكية سوق الكتب القديمة في القاهرة، وأحد أشهر أماكن بيع الكتب المستعملة في العالم العربي كله، إذ ينتظر عشاق الكتب الافتتاح الرسمي المرتقب لمكتبات سور الأزبكية، بعد عملية التطوير الشامل الذى جرى على السوق وانتقاله من مكانه السيئ وسط مداخل مترو أنفاق العتبة، إلى مساحة تقع خلف حديقة الأزبكية بما يضمن خصوصية الزيارة لمحبي الكتب بعيدًا عن الزحام.
◄ الرئيس السادات تردد على مكتبات السور
◄ المطاردات لاحقت باعة الكتب القديمة في العصر الملكي.. وثورة يوليو قننت وضعهم
وبينما يضع باعة الكتب القديمة اللمسات الأخيرة قبل افتتاح السور في حلته الجديدة، زار المهندس شريف الشربينى، وزير الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية والدكتور إبراهيم صابر محافظ القاهرة، المكان ضمن جولتهما التفقدية لسير العمل بمشروع إحياء حديقة الأزبكية، حيث تم تخصيص منطقة سوق الكتب الجديد فى ساحة مجاورة لسنترال العتبة، لتكون بديلة عن السوق القديمة لبيع الكتب، على مساحة إجمالية تبلغ 805 أمتار، يشغلها 133 مكتبة خشبية، وصرح محافظ القاهرة، بأن المكتبات الجديدة روعى فى تصميمها أن تتوافق مع الشكل التراثى للمنطقة، وتم تزويدها بوسائل الحماية المدنية، كما تم تصميمها بشكل يسهل حركة هواة شراء الكتب القديمة، وأكد أن الدولة حريصة على استعادة واحدة من العلامات الثقافية المميزة للقاهرة، ممثلة فى سور الأزبكية للكتاب.
وعبرت جمعية مكتبات سور الأزبكية للخدمات الثقافية، التى تضم أصحاب مكتبات بيع الكتب، عن سعادتها بالتطوير الذى شهده سور الأزبكية، وقال عم على «أحد أشهر باعة الكتب القديمة بالسور» إن الانتقال إلى المكان الجديد أفضل كثيرا من المكان القديم الذى كان يقع فى قلب طريق المارة من وإلى محطة المترو، فجعل الأكشاك القديمة وكأنها فى وسط شارع ملىء بالمارة، لكن الآن انتقلت المكتبات إلى مكان مخصص ومعد بشكل جيد، وهو ما يسمح باستقبال المترددين على مكتبات السور» لشراء الكتب بشكل لائق، وأعرب عن تمنيه أن ينجح سور الأزبكية فى جذب شرائح عمرية جديدة لم تزر المكان من قبل لكى يستمر السور فى القيام بوظيفته كأحد الأماكن الثقافية الأكثر شهرة فى مصر والعالم العربى.

◄ اقرأ أيضًا | جناح سور الأزبكية.. أرخص الكتب في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2025
ويعود سور الأزبكية بتاريخه على الأدق إلى بدايات القرن العشرين، عندما ظهر بعض باعة الكتب الذين عرضوا بضاعتهم النفيسة أمام سور حديقة الأزبكية، فى وقت كانت الأخيرة هى مركز الثقافة والفكر والفن فى مصر، إذ اشتهرت بمسارحها التي ألقى عليها جورج أبيض ونجيب الريحانى وعلى الكسار ويوسف وهبى وغيرهم عروضهم الشهيرة، بينما شدت أشهر أصوات ذلك الزمان بأعذب الألحان فى المنطقة التى كانت مقاهيها مجمع كبار المثقفين بداية من جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده مرروًا بعباس العقاد وتوفيق الحكيم، وصولًا إلى نجيب محفوظ، كما تردد على السور الرئيس السابق أنور السادات عندما كان شابًا، فحول هذه الحياة المتفجرة بالثقافة نشأت أسطورة سور الأزبكية.
حارب باعة الكتب القديمة من أجل تثبيت سور الأزبكية كمكان لبيع الكتب، لذا لم تردعهم المطاردات التى لاحقتهم فى العصر الملكى، بسبب وجود الجاليات الأجنبية فى فندق الإنتركونتننتال المطل على الحديقة، ووجود الأوبرا الملكية التى كان يحضر فيها الملك لمشاهدة العروض الفنية المختلفة، فنظرت السلطة إلى هؤلاء الباعة نظرة احتقار لذا تمت مطاردتهم على الدوام، لكن حكومة الوفد الأخيرة فى مطلع الخمسينيات منحت باعة الكتب أول ترخيص بمزاولة المهنة، ومنعت تعرض بلدية القاهرة لهم.
لكن مجىء ثورة 23 يوليو 1952 غيّر الموقف بشكل واضح إذ انحازت السلطة الجديدة للشعب فى عصر الجمهورية، فتم تقنين وضع باعة الكتب، ومنحهم أكشاكا خشبية، وهو الأمر الذى استمر بعد ذلك وأصبح سور الأزبكية حقيقة رسمية ورمزا ثقافىا مصرىا وعربىا، فأصبح كعبة الباحثين عن الكتب القديمة التى تغطى مختلف مناحى المعرفة، فتجد كبار المثقفين المصريين فى لحظة انهماك بين الكتب القديمة، وباتت زيارة سور الأزبكية من مقدسات زيارة القاهرة لأى مثقف عربى، لذا أصبح سور الأزبكية علامة ثقافية مميزة تكاد تبلغ فى شهرتها شهرة سوق عكاظ بين شعراء العرب.
انتقال أكشاك السور بين أكثر من مكان منذ بداية الثمانينيات، إذ انتقلت من موقعها المميز والفريد فى حضن حديقة الأزبكية إلى منطقة الدراسة لفترة، ثم عادت إلى موقع مميز له مدخل وساحة واسعة بين الأكشاك، لكن بسبب أعمال مترو الخط الثانى نقل السور إلى قارعة الطريق أمام مداخل مترو العتبة بالأزبكية، الأمر الذى تسبب فى ازدحام المكان بحركة راكبى المترو، لكن مع التطوير الأخير عاد لسور الأزبكية كيانه المستقل بتوفير مساحة خاصة لبائعى الكتب القديمة، لتعود الروح إلى هذا المعلم الثقافى البارز فى تاريخ القاهرة ليلعب دوره فى نشر المعرفة مجددًا.
عوالم الفنان على سعيد
الفن يتنفس بين المحطات.. المترو يعزف والقاهرة تُغنّى تحت الأرض
جدل حول دوره في الأعمال الإبداعية.. هل يغيّر الـ«AI» قواعد لعبة السينما؟







