«ألاسكا».. قمة بلا مفاجآت |موسكو.. شروط قاسية ورهان على الزمن

صورة من استعدادات الجيش الأوكرانى أثناء المواجهات
صورة من استعدادات الجيش الأوكرانى أثناء المواجهات


سميحة شتا

يسعى الرئيس الروسى فلاديمير بوتين إلى استثمار المكاسب العسكرية التى تحققها قواته على جبهات القتال لتعزيز موقفه التفاوضى، رافضًا أى وقف لإطلاق النار غير مشروط ففى مايو الماضى، تجاهل الكرملين مقترحًا أوروبيًا - أمريكيًا - أوكرانيًا لتهدئة شاملة، مفضّلًا عرض فترتين قصيرتى المدى لوقف النار من طرف واحد، لم تُحدث أثرًا يُذكر ميدانيًا.

وتتضمن الرؤية الروسية كذلك الاعتراف الدولى بضم القرم والمناطق الأربع، إعلان حياد أوكرانيا والتخلى عن الانضمام للناتو، تقليص حجم الجيش، والاعتراف باللغة الروسية لغة رسمية مساوية للأوكرانية.

كما تشترط موسكو حظر ما تصفه بـ«تمجيد النازية» وحل الجماعات القومية، وهو ما تعتبره كييف وحلفاؤها الغربيون ادعاءات سياسية بلا أساس.

فى المقابل، تطالب روسيا برفع جميع العقوبات، التخلى عن المطالبات بالتعويضات، واستئناف العلاقات التجارية والدبلوماسية.

ورغم تصاعد التهديدات الغربية، تراهن موسكو على قدرتها على تجاوز الضغوط الأمريكية عبر: تنويع الشركاء التجاريين مع الصين والهند ودول فى آسيا وأفريقيا، لتقليص أثر العقوبات الغربية. زيادة الإنتاج العسكرى محليًا وتطوير صناعات بديلة للواردات.

استغلال الانقسامات السياسية فى الغرب، خصوصًا بين واشنطن وبعض العواصم الأوروبية بشأن مستوى الدعم العسكرى لأوكرانيا الرهان على استنزاف الإرادة الغربية عبر إطالة أمد الحرب وتكلفة الدعم لكييف، مع محاولة كسب الوقت حتى تتغير موازين القوى السياسية فى الولايات المتحدة أو أوروبا.

ويرى محللون أن هذه الاستراتيجية تمنح الكرملين قدرة نسبية على الصمود، خاصة إذا حافظت موسكو على علاقاتها الاقتصادية مع بكين ونيودلهى، اللتين ترفضان الانضمام إلى العقوبات الغربية الشاملة.

اقرأ أيضًا | الاتحاد الأوروبي: سنواصل الضغط على روسيا بعد قمة بوتين وترامب


السيناريوهات الخمسة المحتملة لإنهاء الحرب


1- وقف إطلاق النار غير المشروط:
من المستبعد أن يوافق بوتين على وقف إطلاق نار تبقى فيه خطوط المواجهة على حالها فقد طالبت الولايات المتحدة وأوروبا وأوكرانيا بالفعل بمثل هذا الهدنة فى مايو، تحت تهديد العقوبات، ورفضتها روسيا. تراجع ترامب عن العقوبات، مفضلًا محادثات على مستوى منخفض فى إسطنبول لم تُسفر عن أى نتيجة. ولم يُحقق وقف إطلاق النار لمدة 30 يومًا، الذى عُقد فى وقت سابق من هذا العام ضد البنية التحتية للطاقة، سوى التزام محدود أو نجاح محدود.

2- البراجماتية والمزيد من المحادثات:
قد تتفق المحادثات على مزيد من المحادثات لاحقًا، مما يُرسّخ المكاسب الروسية مع حلول فصل الشتاء، مُجمّدًا بذلك خطوط المواجهة عسكريًا، وبالفعل بحلول أكتوبر. ربما يكون بوتين قد استولى على مدن بوكروفسك وكوستيانتينيفكا وكوبيانسك الشرقية بحلول ذلك الوقت، مما يمنحه موقعًا قويًا للانتظار خلال فصل الشتاء وإعادة تنظيم صفوفه. 

3- صمود أوكرانيا بدعم غربى:
فى هذا السيناريو، تُساعد المساعدات العسكرية الأمريكية والأوروبية لأوكرانيا على تقليص التنازلات على خط المواجهة فى الأشهر المقبلة، وتدفع بوتين إلى السعى للتفاوض، بعد أن فشل جيشه مجددًا فى تحقيق وعوده. قد تسقط بوكروفسك، وقد تُهدد معاقل أخرى فى شرق أوكرانيا، لكن أوكرانيا قد تشهد تباطؤًا فى التقدم الروسى، كما حدث سابقًا، وقد يشعر الكرملين حتى بتأثير العقوبات وتضخم الاقتصاد.

4- كارثة على أوكرانيا وحلف الناتو:
أدرك بوتين جيدًا التصدعات فى الوحدة الغربية بعد قمة مع ترامب، حسّنت العلاقات الأمريكية الروسية، لكنها تركت أوكرانيا لتدافع عن نفسها. قد تبذل أوروبا قصارى جهدها لدعم كييف، لكنها تفشل فى قلب موازين القوى دون دعم أمريكى. قد يرى بوتين أن المكاسب الصغيرة فى شرق أوكرانيا تتحول إلى هزيمة بطيئة للقوات الأوكرانية فى التضاريس السهلة والمفتوحة بين دونباس ومدن دنيبرو وزابوريزهيا المركزية والعاصمة.

قد تثبت الدفاعات الأوكرانية ضعفها، وتتحول أزمة القوى العاملة العسكرية فى كييف إلى كارثة سياسية عندما يطالب زيلينسكى بتعبئة أوسع لدعم دفاع البلاد.

5- كارثة على بوتين: تكرار سيناريو أفغانستان السوفيتية:
قد ترتكب روسيا خطأً فادحًا، فتُزهق أرواح آلاف الجنود أسبوعيًا، مقابل مكاسب ضئيلة نسبيًا، وترى العقوبات تُقوّض تحالفها مع الصين، وإيراداتها من الهند. قد تنحسر الاحتياطيات المالية لصندوق الثروة السيادية الروسى، وتنخفض إيراداته.

قد يتصاعد الانشقاق بين النخبة فى موسكو بسبب رفض الكرملين للمخارج الدبلوماسية فى حربه الاختيارية، مُفضّلًا التعنت العسكرى وصراعًا بالوكالة غير مستدام مع حلف الناتو. يُصبح ترامب بطة عرجاء، ويعود تركيز الولايات المتحدة بعد انتخابات منتصف المدة إلى معايير السياسة الخارجية التقليدية المتمثلة فى معارضة موسكو وداعمتها بكين.

فى هذا السيناريو، قد يواجه الكرملين لحظةً تُصبح فيها مقاومته لمصاعب الواقع المبتذلة، وللصعوبات الاقتصادية التى يعانى منها شعبه، مُضرّة. وقد ساهمت حسابات سياسية مُشابهة فى دعم احتلال السوفييت العقيم لأفغانستان فى حرب اختيارية أخرى. وقد برزت بالفعل لحظات ضعف غير متوقعة للكرملين فى حرب أوكرانيا، كما حدث عندما تَعَثَّرَ يفغينى بريجوزين، المُقرَّب من بوتين، فى قيادة ثورة قصيرة الأمد على العاصمة.

يبدو بوتين قويًا ظاهريًا، حتى يظهر ضعيفًا، وعندها قد يُكشف ضعفه الشديد. لقد حدث هذا من قبل لكلٍّ من روسيا السوفيتية التوسعية، وبوتين. تكمن مشكلة هذا السيناريو فى أنه لا يزال الأمل الأكبر للاستراتيجيين الغربيين الذين لا يتقبلون دخول الناتو الكامل فى الحرب لمساعدة أوكرانيا على الفوز، ولا قدرة كييف على دحر موسكو عسكريًا.

لا يُجدى أيٌّ من هذه الخيارات نفعًا لأوكرانيا. واحدٌ منها فقط يُنذر بهزيمة روسيا كقوة عسكرية تُشكّل تهديدًا للأمن الأوروبى.

وبهذه الشروط والسيناريوهات، تبدو رؤية موسكو لإنهاء الحرب أقرب إلى فرض وقائع جديدة على الأرض قبل أى تسوية سياسية، بينما تسعى روسيا فى الوقت ذاته لإثبات قدرتها على الصمود أمام الضغوط الأمريكية، فى رهان طويل الأمد قد يعيد رسم الخريطة الأمنية فى أوروبا.