إنها مصـر

«أشباح أغسطس» فى غزة!

كرم جبر
كرم جبر


«كان يوم أحد من أول أسبوع فى شهر أغسطس، حارًا ومثيرًا للأعصاب، يلجأ الناس لتلافى شروره عبر تقديم القرابين، وحرق البخور وتوزيع الطعام، وأيضًا حرق أموال وهمية فى أول يوم من الشهر، فضلًا عن زيارة قبور المتوفين وتنظيفها والصلاة لأجلهم، وإقامة مراسم تأبين لهم».. هكذا وصف «جابرييل جارسيا ماركيز»، مشهدًا فى قصته «أشباح أغسطس»، مُستلهمًا من هذا الشهر ما فيه من رهبة وقلق واضطراب.

واليوم تقع أحداث مشابهة فى غزة، تُجَسِّد نفس هذه الصورة الأدبية القاتمة التى تحولت إلى مسرح لأبشع الأشباح والكوابيس، والعالم يتفرج ولا يذرف الدموع، وتتحمل مصر عبئًا ثقيلًا لرفع المعاناة عن الأشقاء.

فى الشهر الذى يصفه البعض شهر الأشباح والجوع والهستيريا، تتفاقم فى غزة حالات لا تقل سوداوية، الحصار يشتد من إسرائيل، والمجاعة تتسع، والمعونات التى كانت طوق نجاة، تُسرق وتُتلف وتُلقى فى التراب، والجنود الإسرائيليون والمستوطنون ينهبون شاحنات المساعدات أمام أعين وسائل الاعلام والصحفيين دون رادع أو خجل، وكأنها جزء من خطة ممنهجة لإذلال الناس ودفعهم إلى الاستسلام والرحيل.

من بين هذه المآسي، وقع منذ أيام قليلة حادث مفجع، لا تجرؤ العيون على تكرار مشاهدته من هول البشاعة والألم، حين استشهد 20 فلسطينيًا بعد انقلاب حافلة مساعدات أثناء تزاحمهم للحصول على الطعام، وتَحَوَّل الزحام إلى مقبرة جماعية، وخبرًا عابرًا فى نشرات الأخبار، دون أن يرفّ للضمير العالمى جفنٌ.

وفى ظل المأساة، يُخيِّم الصمت على الغرب فاضحًا التواطؤ والتخلى عن كل القيم، ولا عقوبات ولا محاسبة، فقط كلمات مكررة عن «القلق» و»الأسف» و»الرغبة فى التهدئة»، وكيف يمكن لقوى كبرى أن تكتفى بالمشاهدة، بينما يُقتَل الأطفال جوعًا، ويُحاصر مليونان من البشر بلا غذاء ولا دواء ولا أمل؟
وفى خِضَم هذه الفوضى، تبرز تساؤلات مُرة: لماذا فقد بعض الفلسطينيين البوصلة؟، ولماذا اختار الإخوان المتأسلمون أن يُراهنوا على مَن يقتل أطفالهم ويهدم منازلهم ويمنع عنهم الطعام، ومَن يتغاضى عن الدم ويسكت عن الحصار ويبرر جرائم الاحتلال؟.

أما فصول التهجير القسري، فهى تتسارع، وهناك رغبة واضحة إسرائيلية وغربية، فى دفع الناس إلى الهروب، بأى وسيلة، والتجويع ليس أداة عبثية، بل سياسة مقصودة لتفريغ الأرض من أهلها، وكل يوم يُصبح فيه البقاء أصعب ويُصبح الرحيل أقرب، ومَن لا يموت بالقصف أو الجوع، يُواجه خطر الطرد.
ما يحدث فى غزة هذه الأيام يُذكِّرنا بأن أغسطس ليس مجرد شهر سيئ السمعة فى كُتب التاريخ والأساطير، بل واقع مُر يعيشه الفلسطينيون كل يوم، وفى وجه كل هذا، يبقى الصمود الفلسطينى وحده، هو الصوت الذى لم ينكسر، فى زمن باتت فيه الأشباح تحوم فوق غزة، لا من العالم الآخر، بل من صمت العالم المتحضر.