منذ نشأة ظاهرة الإسلام السياسى فى مصر، وتحديدًا مع تأسيس تنظيم الإخوان عام 1928، تشهد الحياة السياسية موجات متكررة من التوتر الحاد بين الدولة والمجتمع من جهة، وهذه الجماعات من جهة أخرى، وقد أدت هذه المواجهات إلى انحراف المسار السياسى عن تحقيق ديمقراطية حقيقية، كان من شأنها أن تعود بالنفع على المجتمع وتدفعه نحو التقدم فى مختلف مناحى الحياة.
يتجلى هذا التوتر فى صدامات مسلحة متكررة، تتخللها موجات إرهابية عنيفة، غالبًا ما تكون سببًا مباشرًا فى تدهور الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ما يحمّل البلاد أثمانًا باهظة، وبين هذه الموجات، يستمر صراع خفى تحت الأرض، يتمثل فى تأسيس التنظيم لأجنحة عسكرية متنوعة، تقابلها أجهزة أمنية وطنية تعمل على مكافحة النشاط المسلح وإجهاض المخططات الإجرامية، حفاظًا على مصالح الدولة الاستراتيجية وسلامة المجتمع.
وقد شهدت مصر، بسبب تنظيم الإخوان ومجموعاته المسلحة، موجات إرهابية متعاقبة بدأت فى أواخر عهد الملك فاروق، حين اغتالوا رئيس الوزراء والنائب العام، ما أدى إلى حظر الجماعة وقتل مرشدها العام حسن البنا ردًّا على تلك الاغتيالات، ورغم أن الضباط الأحرار، عقب ثورة يوليو عام 1952، أبدوا حسن نية تجاه التنظيم عبر رفع الحظر القانونى والسماح له بالعودة إلى الحياة السياسية، إلا أن العلاقة سرعان ما تدهورت، واندلعت موجة إرهابية جديدة إثر محاولة اغتيال الرئيس جمال عبد الناصر فى حادث المنشية الشهير.
خلال تلك الفترة، نفذت الجماعة سلسلة من التفجيرات والاغتيالات وأعمال التخريب، ما أدى إلى حلّها ومحاكمة قياداتها والزج بهم فى السجون، ودخلت البلاد فى حالة من عدم الاستقرار استمرت لسنوات، كان من أبرز مظاهرها محاولة تفجير القناطر الخيرية.
وعندما تولى الرئيس أنور السادات الحكم، بدأ عهده بمصالحة شاملة مع الجماعة، منهياً بذلك سنوات الصراع الدامى، التى شهدها عهد الرئيس ناصر، إلا أن هذه المصالحة لم تمنع الجماعة من تدبير محاولة انقلاب عسكرى عبر أحد أجنحتها المسلحة عام 1974، فى حادث الفنية العسكرية الشهير، لتدخل البلاد بعدها فى موجة إرهابية ثالثة انتهت باغتيال الرئيس السادات نفسه. ورغم أن الرئيس مبارك، الذى كان بجوار السادات أثناء اغتياله، شهد الحادث بعينيه، إلا أنه لم تمضِ 4 سنوات حتى أعاد الجماعة إلى الحياة السياسية، وسمح لها بفتح مقر رسمى لمكتب الإرشاد، وإنشاء مقرات تنظيمية فى المحافظات، بل شاركت فى الانتخابات البرلمانية بتحالف مع حزب الوفد عام 1986.
وفى تسعينيات القرن الماضى، دخلت الجماعة فى موجة إرهابية كبرى، شملت محاولات اغتيال للرئيس مبارك فى أديس أبابا، ووزير الداخلية، ووزير الإعلام، بالإضافة إلى اغتيال رئيس مجلس الشعب وعدد من كبار ضباط وزارة الداخلية. كما استهدفت الاقتصاد المصرى من خلال عمليات إرهابية ضد السياح، أبرزها حادث الدير البحرى بالأقصر، الذى أسفر عن مقتل عشرات السياح وهزّ العالم بأسره. ورغم هذه الأحداث، نجحت الدولة، ممثلة فى أجهزتها الأمنية الوطنية، فى احتواء الجماعات المُسلحة عبر مصالحة قانونية شاملة، أُفرج خلالها عن عناصرها بعد انتهاء مدد أحكامهم، وتمت إعادة دمجهم فى المجتمع وتوفير فرص عمل لهم، فى محاولة لرأب الصدع والقضاء على الإرهاب وتجفيف منابعه حتى ينعم المجتمع المصرى بالاستقرار. لكن هذه المصالحة لم تدم طويلًا، فمع اندلاع أحداث يناير 2011، عادت جماعات الإسلام السياسى إلى الساحة بقوة، وبلغت ذروة نشاطها بعد ثورة يونيو، حين رفض الشعب المصرى استمرارهم فى الحكم، فعزلهم رغم أنه هو مَن انتخبهم، غير أن الجماعة لم تنصع لإرادة الشعب، وبدلاً من ذلك، مارست الإرهاب باسم السلطة، وما إن تم خلعها فى 30 يونيو حتى دخلت فى حرب مفتوحة شرسة ضد الدولة والمجتمع، أسفرت عن استشهاد نحو 3200 من ضباط القوات المسلحة والشرطة، وفقًا لما أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى وقت سابق. ورغم نجاح وزارة الداخلية فى القضاء على التنظيم بشكل غير مسبوق منذ تأسيسه عام 1928، فإن محاولات تنفيذ أعمال إرهابية لم تتوقف، إذ تتبدل الخطط والأساليب من حين لآخر، ففى الأسابيع الماضية، تمكن جهاز الأمن الوطنى من كشف خلية تابعة لحركة «حسم» الإخوانية المسلحة، وألقى القبض على عناصرها بعد اشتباك مسلح دامٍ أُصيب فيه أحد الضباط. وتزامن ذلك مع وقفة احتجاجية نظمتها جماعة «إخوان تل أبيب» أمام السفارة المصرية، فى امتداد سياسى لأجندة صهيونية تستهدف الأمن القومى المصرى بكل السبل، سرًّا وعلانية.
ورغم كل هذه الموجات الإرهابية، تظل مصر عصيّة على الحصار، تدير صبرها الاستراتيجى بحكمة وبُعد نظر، وتتحمل وحدها ما تعجز عنه الجبال، رافضة الانجرار إلى دروب مفخخة يرسمها تنظيم الإخوان الإرهابى المتحالف مع الكيان الصهيونى القاتل، ولم يعد للتنظيم ما يستر به سوءته من رداء سياسى أو إنسانى.

خدعة المونديال!!
«العمارة» فى حماية «الأغنية»
لا إفادة فى الإعادة







