كنوز| 34 عامًا على غياب «تشيخوف العرب» المبدع الصاخب المجدد

د.يوسف إدريس «تشيخوف العرب»
د.يوسف إدريس «تشيخوف العرب»


34 عامًا مرت على غياب الثائر المتمرد المشاكس الواثق من قلمه وفكره الذى لم يكن يكل أو يمل عن الدخول فى معارك فكرية وأدبية، توالت معاركه التى أخذت من وقته الكثير فحرمتنا من المزيد من إبداعاته الكثيرة جدًا، سواء كانت هذه المعارك برغبة منه كسبًا للشهرة والنجومية الطاغية التى شغل بها الناس، أو مفروضة عليه لأنه حسب وصف الفنانة نادية لطفى كان كالنمر المتحفز دائمًا ولا يقبل بهزيمة أو انكسار أو بأنصاف الحلول والمناطق الرمادية!. 

اقرأ أيضًا| حُفْرة تصْطَاد العَابْرِين

عن الكبير الشهير د.يوسف إدريس نتحدث فى ذكرى غيابه الـ 34، ويوسف إدريس لا يغيب عنا بالرحيل لأن الكبار لا يغيبهم رحيل الجسد وتبقيهم إبداعاتهم فى دائرة الخلود، ويوسف إدريس من الخالدين فى تاريخ الأدب العربى كرائد ومجدد للقصة القصيرة التى جعلت النقاد يمنحونه لقب «تشيخوف العرب» للتشابه بين عالمه الإبداعى ونظيره الروسى «أنطون بافلوفيتش تشيخوف»، فكلاهما من رواد القصة القصيرة، كما أنهما طبيبان كشفا بمشرط الجراح مفارقات الحياة الساخرة بانحيازهما إلى المُهمشين والبسطاء، إدريس اعترف بتأثره به عندما قال «عندما تقرأ تشيخوف فإنك تصبح، شئت أم أبيت، تشيخوفيًا، وعندما حاولت الكتابة بعد قراءتى لأعماله، أحسست أن رؤيته قد فرضت نفسها علىّ». 

تمرد يوسف إدريس وتجدده الدائم يمنحنا الدهشة التى نجدها متنوعة بثراء يفوق قدرة أغلب كتاب جيله فى رصد الواقع وتحليله بمبضع الجراح فى «أرخص ليالى - الحرام - بيت من لحم - العسكرى الأسود - جمهورية فرحات - الفرافير - النداهة - قاع المدينة - لغة الاى اى- المهزلة الأرضية - البهلوان - المخططين - الجنس الثالث - مدينة الملائكة - مدينة الحب والرماد - البطل - عزف منفرد - خلو البال ..... و .... ».

لا أريد أن أتطرق للمعارك التى أنهكته وأثرت على قلبه وصحته، لن استرسل فى معركته مع فضيلة الشيخ الشعراوى، أو انقلابه على الرئيس السادات الذى كان قريبًا منه قبل أن يجلس على عرش مصر واختلفا فيما بعد، ففرغ الخلاف فى 7 مقالات نشرها فى جريدة «القبس» الكويتية بعنوان «البحث عن السادات». وأصدرها فيما بعد فى كتاب بعد أن جلبت عليه أكبر حملة من الهجوم والاتهام بأنه قبض نظير هجومه على السادات من القذافى واتضح أن كل ما قيل من قبيل الافتراء، ولن أتطرق لمعركته مع أدباء عصره الذين وصفهم بأصحاب البناطيل القصيرة!. 

اقرأ أيضًا| كنوز| حكايات صيفية من «عشة» أمير الصحافة المصرية

فى رأيى المتواضع، كل معارك يوسف إدريس جاءت على حساب إبداعاته القصصية والمسرحية والروائية، فقد بشرنا عميد الأدب العربى د.طه حسين بأننا أمام قاصٍ وأديب رائع سيتجاوز الجميع عندما قرأ مجموعته القصصية الأولى، وقال إن يوسف إدريس ولد ليكون قاصًا، ولشدة إعجابه به وبكتاباته كتب له مقدمة طويلة لمجموعته «جمهورية فرحات» عام 1955 التى نقتبس منها جزءًا بما يتناسب مع المساحة، فها هو عميد الأدب العربى يقول: 

- «هذا الكتاب ممتع، أقدّمه للقُرَّاء سعيدًا بتقديمه أعظم السعادة وأقواها؛ لأن كاتبه من هؤلاء الشباب الذين تُعْقَد بهم الآمال وتُناط بهم الأمانى ليضيفوا إلى رقيِّ مصر رقيًّا، وإلى ازدهار الحياة العقلية فيها ازدهارًا. وكان كل شيء فى حياة هذا الشاب الأديب جديرًا أن يشغله عن هذا الجهد الأدبى وأمثاله بأشياء أخرى، ليست أقل من الأدب نفعًا للناس وإمتاعًا للقلب والعقل.

فهو قد تهيأ فى أول شبابه لدراسة الطب، ثُمَّ جَدَّ فى درسه وتحصيله حتى تخرَّج وأصبح طبيبًا، ولكنَّ للأدب استئثارًا ببعض النفوس وسلطانًا على بعض القلوب لا يستطيع مقاومته والامتناع عليه إلا الأقلُّون، وقد كَلِف هذا الشاب بالقراءة، ثُمَّ أحس الرغبة فى الكتابة، فجرَّب نفسه فيها ألوانًا من التجربة، ثُمَّ لم يملك أن يمضى فى تجاربه تلك، وإذا هو أمام كتاب يريد أن يخرج للناس فيُخرجه على استحياء، ويقرأ الناس كتابه الأول «أرخص الليالى» فيرضون عنه ويستمتعون به، ويقرؤه الناقدون للآثار الأدبية فيَعجبون له ويُعجبون به ويشجعون صاحبه على المضى فى الإنتاج، فيمضى فيه ويظهر هذا الكتاب.

وأقرأه فأجد فيه من المتعة والقوة ودقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة وبراعة الأداء مثل ما وجدت فى كتابه الأول، على تعمق للحياة وفقه لدقائقها وتسجيل صادق صارم لما يحدث فيها من جلائل الأحداث وعظائمها لا يظهر فى ذلك تردد ولا تكلف، وإنما هو إرسال الطبع على سجيته كأن الكاتب قد خُلِقَ ليكون قاصًّا، أو كأنه قد جرَّب القصص حتى استقصى خصائصه ونفذ إلى أسراره وعرف كيف يحاوله فيَبْرع فيه، وكنا نُعجب فيما مضى بطائفة من الكُتَّاب المجوِّدين فى الغرب لم يتهيأوا للأدب عن عمدٍ ولم يجعلوه لحياتهم غاية، وإنما أنفقوا جهدهم كله فى درس الطب والتخصص فيه، وفرَض الأدب نفسه عليهم فرضًا، فبرَّزوا فيه أى تبريز، ثُمَّ رأينا هذه الظاهرة نفسها تمس بعض أطبائنا فينشأ منهم شاعر بارع كالدكتور إبراهيم ناجى، وينشأ منهم الكاتب المتفوق الذى يُتاح له من صفاء الذوق ونفاذ البصيرة وسعة العلم والفقه بأسرار الحياة، فيُخرج فى اللغة العربية كتبًا أقل ما توصف به أنها تجمع بين الروعة والمتعة، وتُغنِى حاجتنا إلى القراءة التى تلذ القلب والذوق والعقل جميعًا كالدكتور محمد كامل حسين. وكاتبنا هذا يمضى فى هذه الطريق ثابت الخطو، وما أشك فى أنه سيبلغ من الأصالة والرصانة والتفوق ما بلغ الذين سبقوه.

رحم الله عميد الأدب العربى د.طه حسين الرائد والمعلم والموجه الذى احتضن فى زمنه المواهب المبدعة ودفع بها وساندها، ورحم الله كاتبنا المبدع الكبير د.يوسف إدريس الذى طغت شهرته بقوة كتاباته السياسية والاجتماعية والفكرية وإبداعاته الأدبية على أغلب كتاب جيله بعيدًا عن شعوره بمرارة ظنًا منه أنه كان مرشحًا لجائزة نوبل فى الأدب لكنها ذهبت لغيره بمبرر أنه كان على عداء شديد فى كل كتاباته مع الصهيونية العالمية ومنددًا بكل ما يرتكبه الكيان الصهيونى فى فلسطين من جرائم يندى لها الجبين. 

 

عمر الشريف بين شاهين وإدريس 

ارتبط الكاتب الكبير يوسف إدريس بعلاقة صداقة مع المخرج السينمائى الكبير يوسف شاهين، ومع ذلك ظلت العلاقة الفنية بينهما أشبه بأمواج البحر، جمعتهما أفكار سينمائية لو خرجت للنور لصنعت أفلامًا كبيرة وغير مسبوقة، لكن طبيعة شخصيتهما المتمردة المشاكسة حالت بين التقائهما على الشاشة، وكان النجم العالمى عمر الشريف صديقًا لكل منهما، ولديه رغبة شديدة فى أن يقدم عملًا من أعمال يوسف إدريس بتوقيع من يوسف شاهين، وبذل مجهودًا فى ذلك، فقد نشرت مجلة «الشبكة» اللبنانية فى عام 1981 خبرًا بعنوان «القاتل يجمع بين إدريس وشاهين»، وتشير تفاصيل الخبر إلى أن بطل الفيلم هو عمر الشريف ويشاركه البطولة عزت العلايلى ومحسنة توفيق وعلى الشريف، ولم يظهر المشروع للنور، وسأل عمر الشريف كلًا من يوسف إدريس ويوسف شاهين ولم يخرج منهما بما يفيد وانشغل الثلاثة كل فى أعماله على وعد بلقاء سينمائى جديد!..


 

وفى عام 1983 نشرت مجلة «الكواكب» ومجلة «الموعد» خبرًا عن اتفاق جديد بين يوسف شاهين ويوسف إدريس للبدء فى التحضير لفيلم بعنوان «عرش اللذة» يقوم ببطولته عمر الشريف، وتدور فكرته حول قصة حب عنيفة بين نجمة سينمائية شهيرة، ورجل أعمال فى الخمسينات من عمره يهوى السفر حول العالم، وله أفكاره السياسية والاجتماعية الخاصة به التى تجعله يسترجع مغامراته النسائية مع مجموعة من النساء من مختلف الجنسيات وانعكاس هذه العلاقات على حياته العملية، ولم يظهر الفيلم للنور ونشرت مجلة «الكواكب» ما يفيد أن الرقابة على المصنفات الفنية اعترضت على بعض أحداث الفيلم لأنها تتضمن مشاهد إباحية لا تتفق مع تقاليد المجتمع الشرقى المحافظ، ومشاهد أخرى ملغمة بالانتقادات السياسية المباشرة التى لا تتفق مع قواعد الرقابة الأساسية، ولم يظهر الفيلم للنور، وكشف يوسف شاهين فى حوار مع مجلة «السينما» عام 2004 عن سبب خلافه مع يوسف إدريس أثناء كتابة فيلم «حدوتة مصرية» الذى حملت تتراته اسم إدريس كصاحب للفكرة والقصة لشاهين لأنها تتناول الجزء الثانى من سيرته الذاتية، ولم يفصح شاهين عن تفاصيل الخلاف، إنما قال: «كان من المقرر أن نتعاون فى أكثر من فيلم لكن طبيعة يوسف إدريس الصعبة ومزاجه المتقلب وراء عدم خروج أعمالنا للنور»!.

 

«عندليب» الغناء فى مرآة يوسف إدريس

أحب د.يوسف إدريس ابن بلدته عبد الحليم حافظ، أحبه بمفهوم الكاتب الخلاق للصوت «العندليبى» المجدد أيضًا، وكتب عنه مقالًا غاية فى الروعة بعنوان «غن يا عبد الحليم» ربط فيه بين «حليم» ومواجع الحب والوطن التى أفرزها فى رائعة «قارئة الفنجان».

 

وقال فى المقال: «غنّ يا عبد الحليم، غن أيها الناحل الأسمر فى بدلتك البيضاء الجميلة، زنبقة من قلب طيننا البنى، أعرف كم تعانى وتقاسى وكم قاسيت لتشرخ التربة لتشق الطريق وتصعد وتتبوأ مكان النغمة العذبة فى قلوب الملايين، غن يا بلدياتى، يا بن القنايات الذى استولى على القاهرة بلا جيش أو انقلاب، وحكم العواصم العربية بلا حسب أو نسب أو مخابرات، بأغنية الحب، يقولها لقلوب وألسنة وبرغم كثرة كلامها عن الحب واستعمالها للحب لا تحب، يتسرب صوتك إليها هامسًا، ودودًا لا تجفل منه ولا تنكمش، صوت يحرض على الحب، وحتى لو حرض على اللوعة والأسى الجميل الذى يمهد لتقبل الحب وزرع الحب، وحب الحب». ومن أروع المراثى فى رحيل العندليب ما كتبه يوسف إدريس بالزميلة «الأهرام» بتاريخ 2 إبريل 1977  فى مرثية بعنوان «حيث يتعانق المجد والموت»، التى قال فيها: 

- «جفت الأقلام وطويت الصحف، وانتهت القصة، واحدة من غريبات قصص الحياة، طفل فلاح مصرى يتيم، كان مفروضًا أن يموت بالبلهارسيا فى سن العشرين، ولكن بإرادة الفلاح المصرى، الذى وكأنما اعتزم منذ أن وجد على سطح الأرض أن يحيا إلى نهايتها، كافح اليتم الفقير، اجتهد وتعب وتعلم الموسيقى فى ملجأ للأيتام، جاء للقاهرة وسافر للإسكندرية، وجاب الشوارع والأزقة والمدارس، وبضربة حظ من هنا، وإرادة وصول من هناك، غنى لأول مرة للآلاف، ومنذ أن سمعه الناس أول مرة، ارتفع فجأة من حيث كان إلى أعلى مراتب الغناء فى مصر، جاء صوته ليعبر عن عصر ثورة قامت، وجيل شاب طامح متحمس، والتهاب أمة، فيه الحلاوة من عبد الوهاب القديم، والرنة من دفة الإحساس وطفولة المعاناة، فيه رنة الفقر الأبى الشامخ، وتواضع المصرى الواثق أنه الأحسن، وفيه وقع جديد، وقع العصر والمعاصرة، وقع الحياة حين تدور وتطرح إلى الوجود عالمًا لم يكن موجودًا، فى حاجة إلى نغمة تنظم إيقاعه، فى حاجة إلى زفرته الخاصة، ولهفته الشخصية، فى حاجة إلى حبه بطريقته الجديدة، لا حبًا للمرأة فقط، إنه الحب للحياة كلها فى شمولها ورحابتها، وامتدادها، حب جيل طامح عنيد، يغنى الحب كما يغنى للثورة، يغنى لتماثيل الرخام على الزراعية، مثلما يغنى للمصير المجهول فى قاع فنجان بن محروق، يغنى للحظ والدنيا والنجاح، نصر يغنينا إذا انتصرنا، نكسة يغنينا إذا انتكسنا، قرارًا اتخذنا، يغنينا مأساة عشنا، يغنينا مرحًا مرحنا، فرحًا فرحنا».

بطولة عبد الحليم الإنسان، إنه رغم إدراكه المبكر أنه كـ «سيزيف» حامل صخرة الفن والحياة، وفى داخله يحمل صخرة المرض كان قد وطّن نفسه على أن يظل يصعد بالصخرتين الهائلتين سطح الجبل بأسرع وقت، وأشق جهد وبخطوات يحمسها اليأس، ليس فيها سوى شعيرات قليلة من الأمل كى يصل إلى قمة المجد وقمة الوصول، وكان يعرف ويدرك تمامًا أن الموت رابض له عند هذه القمة، ومع ذلك ظل بالصخرتين يئن ويصعد إلى المجد والموت معًا.

يوسف إدريس 

 

مبدع «الحرام» يسأل.. وسيدة الشاشة تجيب !

طلب صناع برنامج «الميكرفون مع» من الكاتب الكبير يوسف إدريس اختيار الفنانة الأقرب لقلبه وعقله ليحاورها إذاعيًا عام 1968 فوقع اختياره على سدة الشاشة العربية فاتن حمامة بطلة فيلم «الحرام» المأخوذ عن أجمل وأهم إبداعاته، وبدأ يوسف إدريس حواره معها قائلًا: «سأحاول أن أعتصر من السيدة فاتن حمامة المعلومات التى تعطينا فكرة مختلفة عن الصورة التى نأخذها عنها من الشاشة، وقبل أن ألتقى بها كنت أفكر أن الفنان ينجح لأنه موهوب، والنجاح يحدث عندما يتصل الفنان بالحياة والناس، وله مقومات أردت أن أعرفها منها.

■ يوسف: ما هى مقومات  النجاح فى رأيك؟ 

- فاتن: النجاح يرجع لقدرة الفنان على التفكير المنظم، ولا تنسى أن الله يهب الفنان القبول عند الناس بغض النظر عن الشكل والسن، والفنان الذكى هو الذى يحسن استثمار وتوظيف هذه الهبة الإلهية التى يسميها البعض بالموهبة، ذكاء أى مبدع مهم جدًا فى بناء وتنمية قدراته.

■ يوسف: وكيف يضيع الفنان ما بناه؟

- فاتن: بالغرور وتصريحاته المتعالية، ممكن يكون لدينا فنانة عظيمة لكنها تبالغ فى تعاطيها مع جمهورها، ويأخذها الغرور للتصريح بكلمات تسبب النفور منها، والجمهور يربط دائمًا بين الإنسان وشخصيته وعمله الفنى.

■ يوسف: كلامك يؤكد أن الموهبة وحدها لا تكفى؟

- فاتن: المهم شطارة الفنان، ممكن فنان يكون «كويس» ولا يعيش فنيًا طويلًا، وممكن آخر يعيش مدة أطول لأنه عرف متى يقدم فنه، ومتى يبتعد، ومتى يتوقف، ومتى يعود.

■ يوسف: وما هى العوامل التى تقضى على الفنان؟

- فاتن: الغرور والتعالى، والتعامل مع الفن باستهتار، الغرور يفقد الإنسان توازنه. 

■ يوسف: هل تشعرين بالقلق عندما تعرض عليك رواية جديدة ؟

- فاتن: أكيد عندى ثقة بالنفس، لكنى أشعر بالقلق فى كل عمل جديد كأننى مازلت فى بداياتى، كأنى تلميذ مقبل على الامتحان سواء كانت الرواية صعبة أو عادية. 

■ يوسف: ألاحظ أنك لا تتحدثين فى الملتقيات الثقافية؟

- فاتن: أحب الإنصات ومراقبة الناس تفيدنى فى شغلى، اختزن فى ذهنى الشخصيات التى أقابلها واستمع إليها، وأسترجعها عندما يعرض علىّ عمل جديد بكل تفاصيلها.

■ يوسف: ما هى أصعب الأفلام التى قدمتها وأحبها إلى قلبك؟

- فاتن: أحبها لقلبى «دعاء الكروان» لأن د.طه حسين كتب نصًا مليئًا بالوصف، وكل كلمة عنده لها معناها، والعمل الثانى كان من تأليفك وهو فيلم «الحرام»، الرواية صعبة لأنها تتناول لأول مرة طبقة عمال التراحيل، عشت أيامًا لا أفكر غير فى «عزيزة» وما جرى لها من ظلم!.

■ يوسف: ما الذى لفت انتباهك فى شخصية «عزيزة»؟

- فاتن: لفتنى القهر الذى تعرضت له، المرأة مازالت تعانى، صحيح أخذت نصيب فى التعليم والعمل، لكن المرأة الفقيرة مازالت تعانى من القهر عندما لا تجد ما تسد به رمق أولادها.

■ يوسف: ما هى أولوياتك فى قراءة الصحف؟

- فاتن: أقرأ عناوين الصفحة الأولى، ومقالات الأستاذ محمد التابعى ومصطفى أمين وأحمد بهاء الدين وأنيس منصور وإحسان عبد القدوس ويوسف إدريس.

■ يوسف: يا ستى كتر خيرك، وبتحبى تسمعى مين؟

- فاتن: أحب الكلاسيكيات وأم كلثوم وفيروز وعبد الوهاب وعبد الحليم حافظ.

«الميكروفون مع» 1968

 

الديناصورات

بقلم: يوسف إدريس

فقَدَ الحجمُ عصرَه الذهبى، فالإنسان منذ أن بدأ يعى، أصبح يدرك أنه من أصغر الموجودات حجمًا بالقياس إلى الجبال الهائلة الضخامة، والوديان الهائلة العمق والاتساع، والأنهار الخرافية الطول وكم الماء، بدأ يقدِّس «الضخامة» التى أصبحت ليست مجرد حجم هائل أو كم، أصبحت معنى، ومعنى رهيبًا مقدَّسًا حين فكر أجدادنا القدماء فى تخليد أنفسهم، ومدِّ وجودهم إلى عصر النهاية، وجدوا أن أقدس وأروع ما يستطيعون به تجسيد هذا الخلود، هو الضخامة، وهكذا كانت ولا تزال الأهرام من أكبر معماريات العالم القديم والحديث ضخامة، ولا يزال السائح الأجنبى أو المصرى حين يقف بجوار حجر من أحجار قاعدة الهرم ويرنو إلى هذه الكومة الهائلة التى لا يكاد العقل يعى ضخامتها، يحس بنفس ما أراده المصرى القديم بأن يجعل الرائى يحس أنه أمام العمل الجبار المهول الخارق.

وليس التفكير فى تضخيم الأشياء لإعطائها المعنى الأروع، مجرد نزوة، أو فكرة عابرة، إنها تكاد تكون قانونًا من قوانين الوجود؛ فالحياة نفسها حين بدأت على الأرض كحيوان بالغ الصغر مكوَّن من خلية حية واحدة، مضت تميل فى محاولاتها الدائمة لتأكيد وجودها وبقائها وامتدادها إلى الأبد، تميل إلى تضخيم ذاتها، ومن الحيوان ذى الخلية الواحدة بدأت تنشأ حيوانات من خلايا متعددة، من ملايين الملايين من الخلايا، التى لا تُرى بالعين المجردة، بدأت أحجام الحيوانات تكبر وتكبر حتى وصلت إلى المرحلة الأهرامية من الضخامة الخرافية، إلى مرحلة الديناصورات، ولكن، إذا كان للضخامة المعمارية مع تجسيدها لمعانى الخلود والعظمة عيوب، وهى المجهود البشرى الهائل والسنوات الطوال التى تُستغرَق فى إنجازها، فكذلك كان للضخامة الحيوانية حين تؤكد نفسها ووجودها بالضخامة، عيب يسير جنبًا إلى جنب مع هذه الميزة، أَلَا هو البطء، فكلما كان الحيوان يكبر فى الحجم كانت سرعته تبطئ، وحين وصلنا مرحلة الديناصورات، وصلنا إلى أقل مراحل الحياة حركة.

وهكذا كما وصل الإنسان إلى التعبير عن العظمة والروعة بالضخامة إلى درجة العجز عن إيجاد أحجام تُعبِّر عن الأروع، وصلت الحياة أيضًا بالديناصورات إلى مرحلة العجز عن إيجاد حيوانات أضخم تؤكِّد بقاء الحياة واستمرارها، فالحياة هى الحركة الإرادية الحرة السريعة المنطلقة بغير قيود، والحجم الضخم هو قيد الحياة التى وُجِدت فيه وهى تحاول أن تُعبِّر عن نفسها وتتحرر، أقسى قيد، هلكت الديناصورات عجزًا عن الحركة والالتفاف وتغيير الموقع والبعد عن مواطن الخطر، وكفَّ الفراعنة عن بناء أهرامات أضخم، بالضبط كما كفَّ الكُتاب من أمثال ديكنز وتولستوى عن إنشاء القصص الخرافية الحجم.

وكما اكتشف المهندس أن حجرًا صغيرًا منحوتًا بفن ممكن أن يُودَع فيه من الروعة والعظمة أضعافُ ما فى الأهرام بضخامتها، وكما اكتشفت الحياة أن طريق الديناصورات مسدود، وأن البقاء ليس للحيوان الأكبر حجمًا وإنما للحيوان الأذكى عقلًا وإدراكًا وسرعة، واكتشف الكُتَّابُ أن الروعة فى الكتابة لا تُقاس بالضخامة، وإنما أصبحت الروعة فى الكتابة تُقاس بما فيها من كمٍّ فنى ومحتوًى إنسانى، بل حتى تجاوَزوا هذا المقياسَ وأصبحت العظمة الخالدة فى الكتابة لا تُقاس بمقدار ما فيها من كمٍّ فنى، وإنما بنوع ما فيها من فن، أصبحت الروعة ليست فى ضخامة البناء، وإنما فى نوع هندسته، والروعة فى الكائنات الحية ليست بضخامتها العضلية، إنما بذكائها، والروعة فى الكتابة ليست بعدد كلماتها أو صفحاتها، إنما ربما بجملة، ربما ببيت من الشعر يحوى من روح الفن والشعر ما يفوق به أعظم الأهرامات ضخامة.

من كتاب «أهمية أن نتثقف» 

 

 

نحن نسعد بساعة الراحة إذا جاءت وسط يوم كامل أو ربما حياة كاملة من الشقاء!

د. يوسف إدريس