تعود الأستاذ محمد التابعى أمير الصحافة المصرية على أن يقضى شهور الصيف من كل سنة فى أوروبا متنقلاً بين إيطاليا وسويسرا ومصايف جبال الألب وشواطئ الريفيرا والنورماندى ولبنان وتركيا هرباً من ارتفاع درجة حرارة الجو والرطوبة فى القاهرة، ومن المعروف أن أمير الصحافة كان يمتلك شاليهًا عامرًا بكل ما لذ وطاب من طعام وسهرات فى مصيف رأس البر الذى كان مصيفًا عامرًا بالباشاوات والبكاوات وكبار الشخصيات السياسية وأفراد من العائلة المالكة، وعندما أقبل صيف 1940 اشتعلت حرارة الجو واشتعلت معها حرارة الحرب العالمية الثانية التى سدت كل الطرق المؤدية إلى المصايف الأوروبية التى تعود الأستاذ «التابعى» على السفر إليها، مثل غيره من المصريين الذين تعودوا على قضاء الصيف فى أوروبا، واضطرتهم ظروف الحرب إلى أن يقنعوا راضين أو كارهين بالإسكندرية وبورسعيد وبورفؤاد .
اقرأ أيضًا| محمود عوض يروى مأزق عبد الوهاب مع الرئيس والوزير
لكن غارات طائرات المحور بدأت تزلزل الإسكندرية وبورسعيد وقواعد الجيش البريطانى على امتداد قناة السويس، فلجأ المصيفون الى مصيف رأس البر الهادئ الآمن، وسافر أستاذنا محمد التابعى إلي «عشته» العامرة فى رأس البر، ويقول فى مقال كتبه عن صيف 1940: إن مصيف رأس البر عرف لأول مرة إقبالاً وزحاماً ترددت خلاله ألقاب أصحاب المقام الرفيع والدولة والمعالى والجلالة والسمو، فصاحبة الجلالة ملكة مصر السابقة «نازلى» وبناتها يقمن فى فندق «كريستال» على الضفة الشرقية للنيل، والنحاس باشا وأسرته يقيمون فى فندق «كورتيل»، وصاحبا الدولة إسماعيل صدقى باشا وعبد الفتاح يحيى باشا يقيمان فى فندق «مارين فؤاد»، ومعالى مكرم عبيد باشا يقيم بفندق «كورتيل» بالقرب من صديقه النحاس باشا .
ويصف لنا الأستاذ محمد التابعى «عشته» فيقول : «كانت لى عشة صغيرة على شاطئ البحر مباشرة، وأنا من هواة رأس البر من قبل قيام الحرب، وكانت عشتى الصغيرة أشبه بدار ضيافةٍ للأصدقاء الذين كانوا يقيمون معى ويؤنسون وحدتى، كنت أترك رأس البر الى القاهرة لعملٍ ما ثم أعود بعد يومين فأجد صديقاً أو صديقين قد حضرا واحتلا غرفة نومى، وكان نزلاء «العشة» يجتمعون فى هيئة لجنة طوارئ، يبحثون لى عن «كنبة» أو مقعد طويل يضعونه فى حجرة الطعام لأنام عليه، أو يجرون قرعة بينى وبين الصديقين اللذين احتلا حجرتى وفراشى، مع أن «العشة» كانت مكونة من ثلاث حجرات للنوم وفى كل حجرة سريران، وأريكتان بقاعة الطعام ومثلهما فى الشرفة المُطلة على البحر، كنا عشرة وكان العدد يرتفع فى عطلات الأسبوع الى خمسة عشر، عدا الأصدقاء الذين كانوا يقيمون فى الفنادق ويفدون على العشة للزيارة أو تمضية السهرة، وكنا نسميهم «أعضاء شرف» ومنهم : «أم كلثوم ويوسف وهبى وروزاليوسف ونجيب الريحانى وإستيفان روستى والدكتور سعيد عبده وعلى يوسف الشريعى وأحمد الألفى عطية وآخرون»، أما الأعضاء الذين كانوا يقيمون فى العشة فكان منهم : «سليمان نجيب وتوفيق الحكيم وكامل الشناوى وأحمد الصاوى محمد وإحسان عبد القدوس ومحمد عبد الوهاب ومصطفى أمين»، وفى شهر رمضان كان بيننا من يصوم ومن لا يصوم، والوحيد الذى كان يصوم ويؤدى فروض الصلاة هو سليمان نجيب، لكنه كان فى يومى السبت والأحد يتصل بالتليفون بمكاتب المراهنات بالإسكندرية ليملى رهانه فى سباق الخيل ثم يجلس فى المساء الى جانب التليفون ينتظر النتيجة، وسخر جمال جبر ذات مرة متسائلاً عن كيفية الجمع بين الصلاة وصيام رمضان والمراهنات، واحمر وجه سليمان غضباً ونفرت عروق جبهته، وفتح فمه ليسب ويلعن لكنه تذكر أنه صائم، فكان يقول «اللهم إنى صائم يا ابن».... بعد أذان المغرب ها أتفاهم معاك يا ابن ستين «....»!
اقرأ أيضًا| أسامة السعيد: تعاون الوطنية للصحافة مع مؤسسة «بن راشد» خطوة لحماية وعي الأجيال| فيديو
ومن المقال نعرف الأسطى أحمد طاهى نزلاء وضيوف «العشة» كان لا ينسى أن يرسل فى الصباح الباكر الى توفيق الحكيم فصين من الثوم النيء ليتناولهما على الريق، ويمضغهما جيداً وهو يتلمظ ويمصمص شفتيه ويقول: إن فص الثوم على الريق يقى من واحد وأربعين مرضاً مثل: الروماتيزم وتصلب الشرايين واليرقان والدرن وتجلط الدم، ويؤكد التابعى فى المقال أن الكاتب أحمد الصاوى محمد كان ينصح بالإقلال من طعام العشاء وهو يقول «اقلل طعامك تحصد منامك»، وكان لا يتناول اللحوم الحمراء فى العشاء ويكتفى بطبق البسطرمة المقلية بالسمن مع ست بيضات، ويعتبر هذا طعاماً خفيفاً يحقق له المنام ! أما سليمان بك نجيب فكان يحضر من القاهرة برطماناً مملوءًا بالشطة التى يرش منها على الحساء والأرز والملوخية وأى نوع من الخضراوات المطبوخة والفلفل الأحمر، وكانت أم كلثوم تضحك وتقول له وهو ينثر الشطة بسخاء على طعامه: «والله لو تشرب الشطة بالملعقة، برضه ما فيش فايدة»، والذين يفهمون النكتة كانوا يضحكون، أما توفيق الحكيم فكان يسأل «يعنى إيه..عاوزة تقولى إيه .. مفيش فايدة فى إيه ؟»
ويقول أستاذنا «التابعى» فى المقال بأسلوبه الرشيق: إن أم كلثوم كانت تقيم فى عشة فى جنوب المصيف، تجلس على الشاطئ تحت مظلة وفى يدها كتاب، وكان التابعى ونزلاء عشته يجلسون حولها على الرمال فتوزع نكاتها عليهم، وتسأل التابعى : «طابخين إيه النهاردة ؟» فكان يحيلها على سليمان نجيب الذى يهتم بالمطبخ ويشترك مع الشيف أحمد فى إعداد الطعام، وكان البط على الطريقة الدمياطية والأوز بالملوخية والرقاق، وورق العنب والكوارع واللحم والحمام من أهم الأطباق المُفضلة عند أم كلثوم، فإذا تصادف وجود أحد هذه الأطباق كانت تقول: «اعملوا حسابى، ها أتعشى النهاردة معاكم»، وكانت الست تسخر من الذين يأكلون بشهية، والذين يأكلون بدون شهية، وعندما يتناول سكان عشة التابعى سيرة أحد المُصطافين أو المُصطافات، تصرخ أم كلثوم: «أعوذ بالله من لسانكم اللى زى المبرد» ومع ذلك كانت تشترك بنصيب الأسد فى الحديث، وتخفت الأصوات عندما تدندن أم كلثوم ويعلو صوتها ويجلجل، وتنسى كل ما حولها وهى تغنى لنفسها، وكان أحمد الألفى عطية يطبق بأسنانه على راحتيه يعض فيها لكى يحبس صرخات الإعجاب، وإذا انفرجت أسنانه يسمعه الجميع وهو يقول: «آه يا خرابى.. يا خرابى يانى»، أما سليمان نجيب فيشد فى شعر رأسه ثم يركل بعصبية، فيتراجع توفيق الحكيم بمقعده إلى الوراء لأنه أصيب بإحدى «رفصات» سليمان نجيب، ويهز «الحكيم» رأسه ويمصمص شفتيه.
اقرأ أيضًا| البدوي: ثورة 23 يوليو علامة فارقة في تاريخ الحركة العمالية المصرية
وإذا ما انتهت أم كلثوم من الغناء يدوى التصفيق خارج العشة، فتخرج شلة «عشة» التابعى إلى الشرفة فيجدوا عشراتٍ من سكان العشش المجاورة وقد افترشوا الرمال ليستمتعوا بغناء أم كلثوم، ويستأذن الصاوى منسحباً إلى غرفة نومه، ويكمل الجميع بقية السهرة فى الشرفة فى أحاديث متناثرة، فتروى أم كلثوم مواقف من تاريخ كفاحها المضنى فى عالم الغناء، ويروى محمد عبد الوهاب حكاية اليوم الذى كاد أن يفقد فيه صوته وهو فى العاشرة، أما يوسف وهبى فكان يحكى عن مغامراته أيام الشباب فى إيطاليا، ويتطرق الحديث لتوفيق الحكيم الذى كان يسير على غير هدى فى شوارع الحى اللاتينى، وجلوسه فى مقهى قديم ليستوحى قصة ما.
ويؤكد التابعى فى مقاله أن أحمد الصاوى كتب قصة «الشيطان لعبته امرأة» فى شرفة «عشة» رأس البر، وفى نفس الشرفة وُلدت فى رأس «الحكيم» نظرية التعادلية كمولود جديد لا ذات له ولا كيان ولا اسم يُعرف به بين الأسماء وقد أنتظر اثنتى عشرة سنة قبل أن يعثر على الذات والكيان والاسم، وينفض عن المولود لفائف الغموض والإبهام! وحكايات «عشة» التابعى برأس البر كثيرة وسوف نتناولها لاحقاً.
سهام «كيوبيد» فى شط بحر الهوى
لو نطقت رمال شواطئ المصايف لروت للدنيا قصصاً مثيرة عما يحدث فوقها من وقائع يساهم فيها «كيوبيد» وهو يحاول ما وسعه جهده أن يربط بين القلوب، وهذه طائفة من الحوادث وقعت لبعض الفنانين والفنانات على شواطئ المصايف وجعلتهم لا ينسون الصيف ولا ذكرياته الطريفة.

كان فريد الأطرش يعانى أزمة نفسية حادة جعلته يهرب ليغرق همومه كلها فى بحر الإسكندرية، جلس على الشاطئ بملابس الاستحمام، وإذا به يجد نفسه أمام فتاة آية فى الجمال تسأله عن الساعة، ولم يكن بالطبع يحمل ساعة فاعتذر لها، جلست الفتاة بجواره وراحت تسأله عن بعض أفلامه، أحس بسهام كيوبيد تغزو قلبه، كان مبهوراً بأجمل صوت نسائى يستمع إليه، وافترقا على أن يتقابلا فى الغد، وتكررت مقابلاتهما ودعته للركوب معها فى سيارتها، ألح عليها فى أن تركب سيارته فقبلت، وسألها فى الطريق عن المكان الذى تحب أن تذهب إليه، أعطته عنواناً وأكتشف فريد أنه عنوان المأذون، فهمت الفتاة دهشته فقالت له: «هذا هو المأذون الذى سيعقد قراننا ونصبح زوجين»، طلب فريد إرجاء الأمر للغد لكى يستعد ، ذهب للفندق وجمع ملابسه وغادر الإسكندرية هرباً من الفتاة ومن المأذون !
اعتادت ليلى مراد على أن تقضى بعض شهور الصيف فى الإسكندرية، وفى أحد الأعوام تلقت خطاباً من مجهول بإمضاء «مجنون ليلى» وصف فيه كل خطوة تخطوها منذ غادرت منزلها وذهابها للبلاج وكأنه يقف بجوارها، وتجرأ فأعطاها موعداً فى البوفيه المقابل لشاطئ استانلی، فكرت ليلى قليلاً ثم قررت أن تذهب إلى هذا المتطفل الذى يُحصى عليها حركاتها، ولما ذهبت وجدت سيارة فاخرة وإلى جوارها سائقها الذى تقدم منها بكل أدب وقال لها: «أنا ماكنتش منتظر انك تحضرى فى الميعاد»، قالت ليلى: «هو حضرتك صاحب الجواب ؟» فقال: «ايوه يا أفندم»، وبكل قوة وجهت إليه صفعة وهى تقول: «كان لازم تشوف شغلك أحسن» !
كاد النجم محسن سرحان أن يفقد حياته غرقاً، بسبب شائعة راجت فى شاطئ «استانلی پای» تزعم أنه يحب فتاة من أسرة محافظة، والفتاة هى التى روجت الشائعة التى وصلت إلى سمع والدها ! وبعدها نزل محسن سرحان إلى البحر للاستحمام فوجد ثلاثة شبان يقتربون منه وأحدهم يقول «هو ده محسن سرحان»، أطبق عليه الثلاثة يريدون إغراقه، لكنه استغاث فلحق به بعض المستحمين واستطاعوا أن يخلصوه، هرب أحد الشبان وقُبض على اثنين منهما، وكان والد الفتاة واقفاً على الشاطئ فى انتظار تحقيق المؤامرة، ولما خرج الجميع من البحر أقسم محسن سرحان أنه لم يرِ الفتاة فى حياته، واكتفى بهذا القدر حتى لا تثار فضيحة !
النجمة هند رستم من مواليد الإسكندرية، وفى صيف أحد الأعوام التقت على الشاطئ بشاب من أسرة ثرية، تبادلا نظرات الإعجاب التى تحولت لحب وأعطته عنوان منزلها ليخطبها من والدها، ذهب الشاب لمنزلها وفوجئ بفتاة تفتح له الباب، وما كاد يراها حتى صرخ وصرخت معه، لقد أخطأ الشاب فى العنوان عندما ذهب لمنزل استأجره أهل الفتاة التى كانت مخطوبة له من قبل، فكتب كيوبيد أن يعود الشاب لخطيبته وتم الزواج، وبعد أسبوع زار الشاب وزوجته هند رستم ليقدما لها الشكر لأنها جمعت بينهما فى الحلال دون أن تدری.
عرف عن النجم محمود المليجى أنه سباح ماهر، وهو حين ينزل البحر يتجمع حوله الكثير من الناس للفرجة على إجادته للسباحة، ولم ينسِ الصوت النسائى الجميل الذى كان يتحدث إليه فى التليفون مبدياً إعجابه بسباحته حتى ظفر منها بوعد للقاء، وفى الموعد المُحدد ذهب المليجى فإذا به يرى أمامه عجوزاً متصابية اقتربت من عمر الستين، أحس بالحرج والضيق، لكنه بعد قليل تخلص بمهارة من هذا المأزق العنيف!
«الكواكب» - 14 أغسطس 1956
غريق مريم فخر الدين فى بلاج «جليم» !
جرت معى هذه القصة فى شهر أغسطس عندما اشتدت وطأة الحر لدرجة لم تحتملها أعصابی، فسافرت إلى بلاجى المفضل «جليم» بالإسكندرية، وكنت أفضل الذهاب الى البلاج فى فترة الغداء بعد أن يقل عدد المُصطافين، وكان موعد ذهابى المُفضل فى الثالثة ظهراً، خوفاً من تزاحم المُعجبين الذين يطاردوننى على البلاج فلا أستطيع الاستمتاع بهواء البحر ومياهه الصافية، فهم عادة كانوا يتزاحمون عند الشاطئ طلباً للتوقيع على أوتوجرافاتهم كلما لمحونى على البلاج.

وذات يوم.. ذهبت فى موعدى المُعتاد، وجلست أستريح على باب الكابينة، وأنا أراقب أمواج البحر الهادئة، وبعد أن اطمأننت إلى خلو البلاج، وهدأت حركة المُصطافين، وخلا الشاطئ إلا من بعض الفتيات الصغيرات وهن يمرحن بعيداً عنى، قمت من أمام الكابينة وأخذت أتريض على الشاطئ قليلاً قبل أن أنزل إلى المياه الدافئة فى مثل هذا الوقت من النهار لأستمتع بحمام بحرى لذيذ !
وفجأة خُيل إلىّ أننى أستمع الى صوت صراخ واستغاثة، أخذت أتلفت حولى ودققت النظر فرأيت رأساً تطفو فوق سطح الماء وهى تطلق أصوات الاستغاثة طالبة النجدة، وتعود لتختفى بين الأمواج مرة أخرى، وكان الغريق على بعد حوالى عشرين متراً داخل البحر، وأنا أجيد السباحة من طفولتى، ولم يكن على الشاطئ إنسان آخر يمكن أن تتحرك فيه الشهامة لينجد هذا الشخص الذى يتعرض للغرق، ولهذا أسرعت بالقفز إلى الماء وسبحت بكل قوتى وسرعتى حتى وصلت إلى المكان الذى رأيت فيه الغريق الذى يطلب النجدة.. وللمفاجأة، فوجئت برجل ضخم الجثة يخرج من الماء ويقف خلفى تماماً ويقول لى بصوت أجش: «إزيك يا مريم»!
استدرت وقلت له : «أنا سمعت صراخاً لشخص يطلب النجدة وشكله من بعيد أنه كان يغرق ويطفو على سطح الماء ويعود للغرق مرة أخرى.. فهيا نبحث عنه لعله يكون تحت الماء ونسرع فى نجدته»!
لم يبد على وجهه أى دلالات للاهتمام بلهفتى على الشخص الذى كان يستغيث، وانطلق يضحك ! وعندما رأى علامات الغيظ ترتسم على وجهی تزايدت ضحكاته وهو يقول:
«أنا الغريق.. أنا غريق مريم»!
وأخذ يشرح لى أنه رآنى من الكابينة المجاورة فابتدع هذه الخدعة السخيفة مثله لينفرد بى ویعبر لى عن إعجابه بثقل ظل لم أره من قبل، وصدقونى لقد كانت هذه أول مرة فى حياتى أتمنى فيها ارتكاب جريمة قتل، وكنت أتمنى أن أهجم عليه وأجعل منه غريق مريم بحق وحقيق!!
مريم فخر الدين «الفن» - 23 يوليو 1957
«التونسى» والقاهرة فى الصيف
« يا مصر فى الصيف نهارك للسقيم حَمّام بيــداوى / مع العرق يا ما تخـرج من البدن أسقـام وبلاوى / ناويين على اسكندرية ؟ قلت هذا العام مش ناوى / خلى الشواطئ لأستاذنا «رخا» الرسام ومحمد الصاوى / فى الليل نسيم الفرنده يجمع الخلان على البهلى / والبدر ساطع علىّ بشرف نغم كروان متجَــــلّى / تعا أما أقولك خبايــا المنظر الفتان وتقول لى / وانسى هوى كليوباترا ولوران واستانــلى / يا بو العيون شد حيلك وامسك الكرباج واتشمر / وادخل على الحور عرايا فى حمى الأمواج واتنحرر/ وقول لهم عيب عليكم تكشفوا لنا العاج والمرمر/ عقبال ما أشوفكم عرايا فى لهب وهاج فى يوم أغبر !».
بيرم التونسى
ذكريات سكندرية
بقلم: إبراهيم عبد المجيد
نشأتُ فى حى كرموز؛ أقدم أحياء الإسكندرية فى التاريخ، وهو حى شعبى كبير، فى هذا الحى كنا نسمع حكاياتٍ مثيرة فى الخيال من كثيرٍ من العابرين أو السكان، حكاياتٍ عن الفتوّات، عن المخدِّرات وهجمات البوليس، وفى هذا الحى تُوجَد أكبر مدافن للمسلمين وهى مدافن عمود السوارى، جنازات كثيرة تمر كل يوم.

وفى ميدان الساعة قبل أن يزدحم، كانت تُقام مباريات كرة قدم فى المساء بين شباب الأحياء، أى إنَّ الموت والحياة نراهما فى يوم واحد، فضلًا عن أنه فى جنوب الحى كانت تقع ترعة المحمودية التى تأتى بها السفن محمَّلة بالبضائع من الريف، فكانت جلساتنا ونحن أطفال حول المراكبية كلها حكايات خرافية نسمعها منهم، عن الطريق وما شاهدوه فيه أو وقع لهم.
كان عازف الربابة يمرُّ بكل المقاهى ينشد قصصَ أبو زيد الهلالى وغيره، والمدارس كانت تحتفظ بشكلها أيام الملكية، ملاعب وقراءة حرة فى المكتبة لا يكون فيها اختبار، وفرق للموسيقى من التلاميذ والمسرح والكشّافة وغيرها.
كانت الثقافة أساس التعليم وليست مجرد دروس نحفظها، كانت بحى كرموز سينما درجة ثالثة هى سينما «النيل»، ثمن التذكرة تسعة مليمات، فكنا نذهب إليها دائمًا، نرى فيها الأفلام الأجنبية والعربية التى تُثير الخيال، وفى البيت كان أبى - رحمه الله - يُحب كل مساء أن يجمعنا - نحن الصغار - حولَه ويحكى لنا قصص الأنبياء، باختصار كان الخيال حولنا دائمًا.
كل ذلك حبَّبَنى فى الرواية، ولا أنسى يومًا وأنا فى السنة الثانية الإعدادية حين كنت أقرأ فى مكتبة المدرسة قصة لمحمد سعيد العريان عنوانها «صياد اليمام» عن صياد تاهَ فى الصحراء. من جمال القصة بكيتُ فجاءنى أمين المكتبة يسألنى لماذا أبكى، قلت له: الصياد ضاع، فقال لي: «أنت مصدّق يا إبراهيم ؟ دى قصة خيالية يعنى تأليف مش حقيقة».
وجدتُ نفسى منجذبًا لهذا التأليف، فاندفعت إلى قراءة الرواية، وفى العام التالى حصلتُ على الشهادة الإعدادية، وفى الصيف بدأت التأليف، وطبعًا ضاع كل ما ألَّفْته، كان ساذجًا، لكنى كنتُ متوحّدًا معه سعيدًا بما أكتب، حتى جاء يوم وكنت فى التاسعة عشرة أو العشرين، وحضرت ندوة للمرحوم الناقد الكبير الدكتور محمد مندور بقصر ثقافة الحرية، تحدَّث فيها عن المذاهب الأدبية : الكلاسيكية والرومانتيكية والواقعية وغيرها، فعرفت أن الكتابة ليست مجرد حكاية، فتوقفتُ عن الكتابة الساذجة، وبدأتُ أقرأ فى تاريخ الكتابة، وكتبًا كثيرة فى النقد الأدبي.
بعد ثلاث سنوات اشتركتُ فى مسابقة للقصة القصيرة فى نادى القصة بالإسكندرية الذى كان يشرف عليه الكاتب والصحفى فتحى الإبيارى بجريدة «الأخبار»، ففزتُ بالجائزة الأولى على مستوى الجمهورية، ونُشِرت القصة فى جريدة «أخبار اليوم» على صفحة كاملة عام 1969 مع مقدمة للأديب الكبير محمود تيمور بعنوان «هذا قصّاص موهوب»، فعرفتُ أننى فى الطريق الصحيح وعليّ أيضًا إنضاجه أكثر، وأدركتُ من قراءاتى فى النقد الأدبى أنَّ فى الروايات والملاحم القديمة معانيَ فلسفية خفية لا يُدركها القارئ العادى، ففكرتُ فى دراسة الفلسفة، قرأتُ فيها وحين دخلت كلية الآداب بالجامعة اخترتُ قسم الفلسفة، أحببت الوجودية التى تتحدث عن وجود اضطرارى للبشر، فلا دور لهم فى الظهور للحياة ولا فى الموت. وبين الحياة والموت، فالآخرون هم الجحيم لأنه بشكل بسيط أنت تفعل ما يجعلهم فى رضًا عنك، بينما يمكن أن تفكر فى المشى عاريًا فى الشارع ولا تستطيع، وجذبَتْنى فكرة الاغتراب والنفى ليس خارج الأوطان لكن فى الحياة نفسها وما زال فى الذاكرة ذكريات كثيرة .
إهداء لصفحة «كنوز»


كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







