د. عبد الراضي رضوان يكتب : کفاکُمْ تآمُراً وتلاعباً بمصائر الشعوب !

د. عبد الراضي رضوان
د. عبد الراضي رضوان


في مشهد أقل ما يوصف بالعبثى والمأسوي ذي الكوميديا السوداء يشهد وقاحة الكبار بادية للعيان ، وخسة الصغار تزيدهم وضاعة فى الميزان وطَيْشاً في الهذيان وخِفةً في القفز  كالفئران  خلف كل ما يلوح من قِطَع الأجبان.

فالسيرك الدولي منصوب بكل إحكام يشارك فيه الأعداء والأشقاء على حد سواء ، والأعين الزائغة بلهفة الطامع الجوعان لا ترى سوى الجائزة الكبرى  سقوط مصر العَصِيّة هدفاً غالياً لطموحات الشانئين من شراذم الكبار والصغار.

والمؤامرة المكشوفة الأبعاد والأهداف قد سقطت عنها كلُّ أوراق التوت ولم يَعُد هناك ما يخفيها من أستار أو أحجار. فقد تم إعداد المحرقة لمصر بكل الإحكام والتمهيد لها قد  جرى على قدم وساق بأشد الألغام فتكا وضراوة وتدميرا وأكثرها حساسية وتأثيراً من غزة في الشمال إلى سد النهضة في الجنوب.

وربما لو لم تكن زلة اللسان من الرئيس الأمريكي باعترافه بأن أمريكا قد موّلت بغباء شديد سد النهضة الأثيوبي الذي يضر بنصيب مصر من ماء النيل ، لو لم تكن تلك الزلة اللسانية قد جاءت بهذا الوضوح    ولم تكن قد صدرت بهذا الوضوح ما كان أحد ، ليتصور حجم اللغم والشراك والفخاخ التي تم نصبها لمصر ، وجرّها إليها ، بل ودفعها علانية من قبل الرئيس الأمريكي نفسه إلى ضرب السد الأثيوبي ليتحول مجلس الأمن بجيوشه وأساطيله الأطلنطية والأنجلو ساكسونية وخطوط إمداده اللوجستية على القواعد الأمريكية  بالمنطقة العربية وخاصة الفلسطينية المحتلة إلى رؤوس الحربة التدميرية للأخضر ، واليابس على أرض الكنانة لإكمال تقسيم سايكس بيكو الشرق أوسطي الجديد في الفوضى الخلاقة.

وعندما نجحت مصر في قراءة أبعاد المخطط المشابه لفخ العراق الذي تم تدميره من خلاله ، فاستطاعت بحكمة الإفلات  من خيوط عنكبوت المؤامرة المركَّبة في الجنوب والتي تتعلق بشريان الحياة الخالد نهر النيل .

يتم الآن بكل عنفوان الحقد الأسود الدفين محاولة الدفع بمصر قسراً نحو المصير المخطط لها لكن من جهة الشمال الفلسطينى ، وذلك بانتهازية قاسية استغلالا لمواقف مصر الثابتة تجاه الحفاظ على الحق الفلسطيني والدفاع عن القضية الفلسطينية في كل المحافل وعلى كل المستويات الإنسانية والسياسية دوليةً وإقليميةً ، واستغلالا كذلك من خلال الأبواق الحنجورية وثوار المقاعد الوثيرة بالفنادق والمقاهي والكافيهات والمواقع الإليكترونية وأبطال الصفحات الفيسبوكية وميليشياتها ، استغلالا انتهازيا للشعور القومي والديني المتأجج لدى الشعب المصر بتاريخه النضالي لأجل فلسطين والمقدسات الإسلامية بالقدس ومسجدها الأقصى منذ أن قام جيش مصر بقيادة الناصر صلاح الدين الأيوبي بتحريره من قبضة الصليبيين وحتى اليوم. 

واستغلالا كذلك بانتهازية غير مسبوقة للعاطفة المحمومة للمصريين نحو مسجد قبة الصخرة الذي تم بناؤه من ميزانية مصر على مدار سبعة أعوام متتالية زمن الخليفة الأموي  عبد الملك بن مروان ، فقبة الصخرة ومسجدها قطعة من قلب مصر النابض على أرض فلسطين. 

فيتم العمل اليوم بدَأَبٍ وخسَّةٍ على تفجير الوضع الداخلي بمصر لشق صف الشعب من خلال تزييف  الواقع أمامه بتصوير مصر وكأنها لـيست الداعم الوحيد ذا الموقف البطولي الوحيد إقليمياً ودولياً ، الرافض بكل قوة تهجير اهل غزة المترتب عليه وأد القضية الفلسطينية .

بل لمزيد إمعان في تزييف الواقع يتم تصويره على أن مصر هي السبب في منع إدخال المساعدات إلى غزة وتجويع أهلها بإغلاق معبر رفح.
وكأن مصر وليست إسرائيل هي التي تصب أطنان القنابل وتطلق آلاف الصواريخ وتدفع بآلاف المعدات والمدرعات قصفا وتدميرا وحرقا وقتلا للأطفال والنساء بغزة وحصارهم الخانق لدفعهم إلى التهجير والرحيل بلا عودة كما تم في ١٩٤٨م.

ولولا أن الله إذا أراد نشر فضيلة أتاح لها حسود ، ما كانت أطراف المؤامرة قد سقطت بغباء فى فضحنفسها بإعلان عن مظاهرة من أمام السفارة المصرية بتل أبيب ، أو أن يقوم الحية رئيس وفد حماس بمطالبة مصر يفتح معبر رفح وهو الذي على مرأى ومسمعٍ مما يدور على طاولة المفاوضات وما تقوم به مصر من جهد وضغط لأجل فتح معبر رفح من الجانب الآخر لإنقاذ الفلسطينيين من التجويع الذي تقوم به إسرائيل بدعم أمريكي مطلق لإجبار أهل غزة على التهجير والنزوح والتنازل عن أرضهم لصالح قوات الاحتلال. 

وزاد غباء أطراف المؤامرة عندما أطلقوا العملاء الممولة للقيام بإغلاق أبواب سفارات مصر بأوربا في الوقت الذي تقوم فيه  الشعوب الأوروبية بالتظاهر  ضد إسرائيل ، وكأن العملاء والأذناب الممولة لا يعرفون الطريق إلى السفارات الإسرائيلية ، ليس جهلا بجغرافيا المكان أو الزمان وإنما لأجل تحقيق الهدف المرسوم بغرض رفع الضغط واللوم والإصر عن إسرائيل التي تقتل وتجوِّع الفلسطينيين ، ومحاولة تحويل دفة اللوم وإيهام الدهماء بتحميل مصر المسؤولية واتهامها بالتقصير رغم أنها القوة الوحيدة في العالم التي رفضت علنا الخضوع لكل الإغراءات وكذلك التهديدات وتمسكت بعدم التهجير وبحق الفلسطينيين  في حياة كريمة على تراب وطنهم. 

ولم يكن أمام مصر وقد فاض بها الكيل شعباً وقيادة إلا أن يخرج الرئيس عبد الفتاح السيسي بنداء أخير بنكهة التحذير لأطراف المؤامرة دولياً وإقليماً ومحلياً : أن ارفعوا أيديكم عن غزة وكفاكم تآمراً وتلاعباً بمصائر الشعوب !

فأنتم تتاجرون بمصير الأرواح الفلسطينية لأغراض التهجير ، وتزايدون على مصير الشعب المصرى مراهنةً على إسقاط مصر وتركيعها ظناً منكم أنكم ستتصدرون مشهد العروبة والقيادة الإقليمية بالشرق الأوسط والجامعة العربية لتسهيل مهمة  حلفائكم الدوليين في إنفاذ مشروعهم الشرق أوسطي الجديد على جثة أرض الكنانة وأرض المسجد الأقصى. 

لكن يا ليتكم تقرأون التاريخ جيداً لتعرفوا أن مصر قد وُجِدتْ لتبقى درعاً وسيفاً ورباطا  لأمتها إلى يوم القيامة ، واليوم الذي تسقط فيه مصر - وذلك لن يكون بإذن الله - فلن يُرَى الشرق يرفع الرأس بعدها.

وياليتكم تعودون إلى عقولكم لتعلموا مجددا أن:
١. مصر أكبر داعم وضامن لقضيتكم جميعاً.
٢. مصر لم ولن تغلق معبراً أو باباً يؤدي إلى مساعدة أهالي غزة 
٣.  المعاير جميعها مغلقة من الجانب الآخر من الحدود ، ومصر لديها معبران فقط أما بقية المعاصر فتتبع حدود الدول الشقيقة المجاورة .
٤. مؤامرتكم  لن تفلح في إشعال الجبهة الداخلية المصرية ؛ لأن الوعي بألاعيبكم كبير وقد باتت الألاعيب مفضوحة. 
٥. أوراق اللعبة بيد الأمريكان وعليهم إن أرادوا إنهاء المأساة أن يوقفوها الآن وليس غداً وهم قادرون على ذلك.
٦. التحرك الأخير نحو إدخال المساعدات كان مصرياً خالصاً وأثمر عن هذا الحراك الحالي. 
٧ - مشكلة مصر الكبرى أنها تتحرك بشرف ،  وقیم ، وثبات على مبادئ سامية ، ولن تتزحزح عنها مهما كانت الأثمان المطلوبة لمواقفها الراسخة.

كاتب المقال عميد كلية دار العلوم الأسبق بجامعة القاهرة