ثورة 23 يوليو| كنز الأسرار.. قصة استراحة ملكية تحوّلت إلى مقر للقيادة

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية


لم يكن يدرك «فاروق» أخر ملوك أسرة محمد علي التي حكمت مصر أن المبنى الذى شيده فى منطقة الجزيرة المطلة على النيل مباشرة من أجل الراحة والصيد سيكون هو نفسه المبنى الذى سيشهد مقر اجتماعات الضباط الأحرار للقيام بثورة ٢٣ يوليو المجيدة.

الاستراحة الفخمة التى بناها فاروق، وكانت رمزًا للترف الملكى والطبقة الحاكمة المنعزلة عن الشعب سرعان ما تحوّلت إلى مقر لمجلس قيادة الثورة، حيث عقدت الاجتماعات الأولى بقيادة جمال عبد الناصر ورفاقه، لرسم ملامح مصر الجديدة.

من داخل هذا المبنى صدرت قرارات تاريخية غيّرت وجه الوطن مثل حل الأحزاب، وإلغاء الملكية، وإعلان الجمهورية، وتأميم قناة السويس، وقوانين الإصلاح الزراعى ، كان شاهدا على وضع خريطة الدولة الجديدة، وتمت صياغة خطاب الثورة وأهدافها الستة بداخله، وكان عمليًا بمثابة « مقر رئاسة الجمهورية» فى السنوات الأولى لما بعد الثورة.

يتكون المتحف من عدة قاعات متصلة، تحمل كل واحدة منها طابعًا مختلفًا يوثق مرحلة أو لحظة حاسمة فى مسار الثورة، بمجرد دخولك، تجد نفسك فى مواجهة مع صور ووثائق أصلية تؤرشف لإعلان الثورة، وخطابات قادة الضباط الأحرار، ومحاضر الاجتماعات الأولى التى عقدت داخله.

◄ مقتنيات نادرة 

يضم المتحف مجموعة نادرة من المقتنيات الشخصية لقادة الثورة، مثل: الزى العسكرى الذى ارتداه جمال عبد الناصر ليلة 23 يوليو، ومسدس عبد الحكيم عامر الذى حمله أثناء التحرك العسكري،  وساعة يد ومحفظة جلدية خاصة باللواء محمد نجيب ، وأوسمة وميداليات منحها الزعماء العرب لقادة الثورة ، ومكتبة نادرة تحتوى على كتب سياسية وعسكرية دوّن فيها بعض الضباط ملاحظاتهم خلال الاجتماعات.

كما يعرض المتحف مجموعة فريدة من الصور الفوتوغرافية النادرة التى توثق الاجتماعات الأولى، ومشاهد نادرة من لحظة مغادرة الملك فاروق البلاد، واستقبال الجماهير لبيان الجمهورية، كما يحتوى على تسجيلات صوتية أصلية لخطابات عبد الناصر من داخل هذا المبنى، مما يمنح الزائرين تجربة غامرة تعيدهم إلى قلب الحدث .

ورغم مكانته التاريخية الفارقة، إلا أن مقر مجلس قيادة الثورة بالجزيرة لم يحظ بالاهتمام الكاف فى العقود الأخيرة، فالمبنى، الذى يجب أن يكون متحفًا قوميًا أو نصبًا تذكاريًا يعكس بدايات الجمهورية، أصبح مهجورًا فى فترات عديدة، أو مستغلًا إداريًا من بعض الجهات دون إبراز قيمته التاريخية.

وارتفعت فى الآونة الأخيرة أصوات عدد من المثقفين والمؤرخين التى تطالب بإعادة الاعتبار للمبنى، وتسجيله كموقع أثري، وتحويله إلى متحف لثورة يوليو يحكى عبر الوثائق والصور والتسجيلات الصوتية قصة التحول من الملكية إلى الجمهورية.

◄ اقرأ أيضًا | «يوليو» في عيون وقحة.. لماذا اعتبرت تل أبيب الثورة تهديدًا استراتيجيًا؟

◄ متحف مفتوح

وفى السياق يقول د.عاصم الدسوقى أستاذ التاريخ الحديث بجامعة حلوان إن هذا المقر يمثل أهمية كبيرة للأجيال القادمة حتى يتسنى لهم معرفة تاريخ ثورة يوليو العظيمة مطالبا بتحويل المقر إلى متحف مفتوح نظرا لما يحتويه من مقتنيات هامة خاصة بالضباط الأحرار.

من جانبه يرى خبير الآثار د. عبد الرحيم ريحان عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة ورئيس حملة الدفاع عن الحضارة  أن مبنى مجلس قيادة الثورة بنى على الطراز اليونانى القديم على شاطئ النيل مكون من ثلاثة طوابق ويضم 40 غرفة شيد فى عام 1949 ، وأوضح أن المبنى كان مخصصًا لليخوت الملكية الخاصة بالملك فاروق وبعد قيام الثورة تم تحويله إلى مقر لاجتماعات مجلس قيادة الثورة وشهد أحداثًا تاريخية مهمة وقد أذيع منه بيان الثورة وعاش فيه الرئيس جمال عبدالناصر اللحظات التاريخية فى تاريخ مصر ومنها عدوان 1956 وصدرت فيه قرارات الثورة فى أعوامها الأولى وخرجت منه جنازة عبد الناصر عام 1970.

ويطالب د. ريحان بتحويل القصر إلى متحف لثورة يوليو يضم كل متعلقات الحملة والوثائق الخاصة بها وتسجيله فى عداد الآثار طبقًا للمادة 2 من قانون حماية الآثار 117 لسنة 1983 وتعديلاته باعتباره قيمة تاريخية ومعمارية هامة ونص المادة هو «يجوز بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض الوزير المختص بشئون الآثار أن يعتبر أى عقار أو منقول ذا قيمة تاريخية أو علمية أو دينية أو فنية أو أدبية أثرا متى كانت للدولة مصلحة قومية فى حفظه وصيانته وذلك دون التقيد بالحد الزمنى الوارد بالمادة السابقة ويتم تسجيله وفقا لأحكام هذا القانون وفى هذه الحالة يعد مالك الأثر مسئولا عن المحافظة عليه وعدم إحداث أى تغيير به، وذلك من تاريخ إبلاغه بهذا القرار بكتاب موصى عليه مصحوب بعلم الوصول».