للمرة الثانية، وفى غضون شهور، خرج الرئيس الأميركى دونالد ترامب ليكرر ما يبدو أنه ليس زلة لسان، بل اعتراف واعٍ ومدروس: «لقد موّلنا بناء سد النهضة… كان ذلك خطأً.» هكذا، ببساطة، يكشف ترامب خريطة التواطؤ فى واحدة من أخطر أزمات الأمن القومى المصرى فى العصر الحديث.
ولعل الفارق هذه المرة، ليس فقط فى نبرة ترامب، بل فيما جاء من القاهرة كرد مباشر من الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذى لم يتردد فى التذكير بأن مصر لا تنسى من وقف معها ومن وقف ضدها، هذا ليس فقط تصريحا ذا طابع دبلوماسي، بل إشارة إلى لحظة وعى استراتيجى صريحة: أن مصر تعيد تموضعها، وتفتح دفاترها القديمة، وتبدأ فى إعادة تعريف تحالفاتها.
حين يتحدث رئيس أمريكى سابق « فى العلن » عن تمويل مشروع يمسّ شريان الحياة لدولة بحجم مصر، فلا يمكن اختزال كلامه باعتباره مزحة وليس فقط اعترافًا سياسيًا، بل إدانة صريحة لمنظومة دعمت «أديس أبابا» بمليارات الدولارات، دون ضمانات حقيقية لأمن دول المصب.
لكنّ السؤال الأهم هنا هو: هل كانت واشنطن تجهل تأثير السد على القاهرة والخرطوم؟ أم أن التمويل كان جزءًا من لعبة نفوذ طويلة، تتعامل مع أفريقيا كمساحة فراغ إستراتيجي، وتفترض أن تحريك المياه يعنى تحريك ولاءات الدول؟
من يقرأ تفاصيل الدعم الأمريكى لإثيوبيا خلال السنوات الماضية، يدرك أن ما يحدث ليس مجرد مساعدة تنموية بل إعادة تشكيل للتوازنات فى القرن الأفريقي، وفق حسابات جيوسياسية تستخدم فيها المياه كما تُستخدم الطاقة والنفوذ العسكري.
لأعوام، اعتمدت القاهرة سياسة «الصبر الاستراتيجي» فى ملف سد النهضة، ملتزمة بخطاب دبلوماسى عقلاني، ومفضلة التفاوض على التصعيد لكن ما قاله ترامب « وقبله فشل مفاوضات متكررة » يجعل من الواضح أن الحذر وحده لا يصنع الحقوق.
لذلك جاء رد مصر هذه المرة أكثر وضوحًا، وانضباطًا فى عبارة مختصرة ولكن شديدة المعنى: «نحن لا ننسى.» وفى عالم السياسة، فإن من يعلن أنه لا ينسى، يعنى أنه بدأ يفكر فى تغيير قواعد اللعبة، أو على الأقل، فى تغيير طريقة الحساب.
تصريحات ترامب لا يجب أن تُقرأ فقط من منظور مصري، بل ينبغى أن تُفهم كجزء من إعادة تشكيل أوسع للعلاقات بين «الجنوب» و»الشمال»، بين المانحين والمشاريع، بين من يكتب الشيكات ومن يدفع الثمن، لقد كانت مصر لعقود حليفًا للغرب فى قضايا جوهرية، شريكًا فى الأمن الإقليمي، وضامنًا للاستقرار واليوم، تُفاجأ بأن شريانها الحيوي، النيل، كان جزءًا من لعبة تمويل دولية لم يُستشر فيها أحد من أبنائها فهل هذا هو معنى الشراكة؟ هذه اللحظة تستدعى سؤالاً أخلاقيًا قبل أن يكون سياسيًا: هل من المقبول أن تتحدث القوى الكبرى عن التنمية والسلام، بينما تضع السكين على رقاب الشعوب، ولو بشكل غير مباشر؟
ما قاله ترامب يعيد تعريف السد كـ»مشروع سياسي» أكثر منه مشروع تنموى ليس فقط لأن بناءه تم بغطاء دولي، بل لأن استخدامه أصبح ورقة ضغط دائمة على مصر والسودان ومع كل اعتراف أمريكي، تتكشف مستويات الصراع: إنه ليس فقط صراع مياه، بل صراع إرادات ونفوذ وخرائط مصالح.
وإذا كانت واشنطن قد موّلت السد، فهل ستكون طرفًا نزيهًا فى مفاوضات توزيع المياه؟ وهل ما زال من الممكن الحديث عن وساطة أمريكية محايدة؟ هذه أسئلة لا بد من طرحها، ليس كحملة ضد أحد، بل كمحاولة لاستعادة قواعد العدالة فى نظام دولى يزداد اختلالاً.
من الواضح أن مرحلة التصريحات انتهت، القاهرة تعرف الآن « بالصوت والصورة » من وقف مع من، ومن وقّع الشيكات ومن شرب الماء الملوّث بالخذلان. والرد يجب ألا يكون انفعالياً، بل بناءً على رؤية استراتيجية جديدة، تُعيد صياغة الدور المصرى فى أفريقيا، وتُعيد ترتيب الأولويات فى العلاقات الدولية.
ربما لم تعلن مصر بعد ما ستفعله، لكن العالم يعرف: حين تقرر القاهرة التحرك، فإنها تفعل ذلك بهدوء مدروس، لكنه فعّال.
من يريد حقه، لا بد أن ينتزعه بفعل واعٍ، لا بردود أفعال غاضبة فقط

فى الخامس من يونيو
إدانة.. ولكن «2»
الذكاء الاصطناعى سفينة نوح







