« يا رب بنت».. عبارة لم نعتد سماعها كثيرًا فى المجتمعات ذات الطابع الشرقى، حيث ظل تفضيل إنجاب الذكور على الإناث أمرًا شائعًا لسنواتٍ طويلة، لكنها اليوم لم تعد مجرد دعوة عابرة تُقال على استحياء، بل تحولت إلى أمنية حقيقية يتمناها كثير من الآباء والأمهات فى مصر ومختلف أنحاء العالم حيث أن «البنت أصبحت زي الولد». فمع تغير الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، بدأت الأسر تميل للبنات، ليس فقط لأنهن أكثر رقة وحنانًا، بل لأن الواقع أثبت أن البنت من الممكن أن تكون السند وقت الشدة.. قصص كثيرة ومواقف إنسانية لافتة تؤكد أن الفتيات هن من وقفن بجانب أسرهن فى لحظات الضعف، وتحملن المسئولية.
الفتيات رمز للاستقرار والهدوء العائلى
الاستثمار فى تعليم البنات «أولوية»
الإحصاء: %83.8 من النساء العاملات يشغلن وظائف دائمة
هذا ما ترصده «الأخبار» فى التحقيق التالى، من خلال شهاداتٍ حية من بعض الأسر، إلى جانب آراء خبراء ودراسات تؤكد هذا التحول الإيجابى فى نظرة المجتمعات تجاه الإناث.
تروى نهى، فتاة عشرينية من الإسكندرية، أنها اختارت أن تؤجل حلمها بالسفر بعد التخرج لتبقى بجانب والدها المريض، ترافقه فى كل جلسات العلاج، وتدير له شئون البيت والأدوية، فى وقت كان إخوتها الذكور مشغولين بأسرهم وعملهم.. وعلى الرغم من زيارتهم للأب والذهاب به إلى الأطباء، إلا أنها كانت هى التى ترافقه دوماً فى كل أمور يومه.
وفى الريف المصرى، حملت أسماء والدتها على كتفها حرفيًا، تنقلها بين المستشفيات وتوفر لها الدواء والرعاية، بعدما أصُيبت بشلل نصفى، كونها كانت أقرب البنات والأولاد إليها، فهى ليست ابنتها فقط بل صديقتها المُقربة التى ترافقها حياتها منذ الصغر وتروى لها أسرارها وتكون خير سندٍ لها عندما يقوم أى شخص بإيذائها نفسياً.
العالم يتغير
وفى ظل هذا الواقع الاجتماعى المتغير، لم يُعد مُستغربًا أن تكشف الدراسات الحديثة، ومن بينها ما نشرته مجلة «الإيكونوميست» فى عددها الصادر 7 يونيو الماضى، أن العالم بدأ يعيد النظر فى فكرته القديمة بشأن تفضيل إنجاب الذكور، فقد أصبح إنجاب البنات فى نظر كثير من الأسر حول العالم مصدرًا للفخر والأمان والدعم الحقيقى، سواء على المستوى العائلى أو المجتمعي.
وقد أوضحت المجلة أنه فى السابق، لا سيما فى دول مثل: الهند، والصين، وبعض بلدان الشرق الأوسط، كان الآباء يفضلون إنجاب الذكور، اعتقادًا بأنهم من سيحملون اسم العائلة، ويتكفلون بإعالة الأسرة مستقبلًا، إلا أن هذا التفكير قد تغير بصورة واضحة، إذ بات للبنات مكانة أكبر وقيمة حقيقية فى حياة الأسر والمجتمعات، وذلك لما يتمتعن به من وفاء فطرى، ودعم عاطفى، وقدرة عالية على رعاية الوالدين فى الكبر، وهى صفات جعلت كثيرًا من الأسر تُدرك أن الفتاة هي السند الأقوى فى الأوقات الصعبة.
كما أن التحول الكبير فى دور المرأة داخل المجتمع ساهم فى إعادة صياغة هذه النظرة، إذ أصبحت الفتيات أكثر إقبالًا على التعليم، ونجحن فى الالتحاق بسوق العمل، وتحقيق الاستقلال المادى، والاعتماد على الذات، وهو ما جعل الأهل يشعرون بالفخر ببناتهم، ويرون أنهن قادرات على تحقيق النجاح والمساهمة فى رفعة الأسرة تمامًا مثل الأبناء الذكور، وربما بتفوق فى بعض الأحيان.
ولعبت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعى دورًا بارزًا فى تعزيز هذه الصورة، من خلال عرض نماذج واقعية ومؤثرة لعلاقاتٍ قوية بين البنات وأسرهن، مما رسخ صورة إيجابية للبنات، وأعاد الاعتبار لدورهن العاطفى والإنسانى فى حياة الأسرة.
الأرقام تتحدث
وفى السياق المحلى، تكشف بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء عن مؤشرات تدعم هذا الاتجاه، فوفقًا لتقديرات السكان فى الأول من يناير 2025، بلغ عدد سكان مصر بالداخل 107.3 مليون نسمة، وبلغ عدد الإناث منهن 52.2 مليون نسمة، بنسبة تمثل 48.6٪ من إجمالى السكان، فى حين سجلت نسبة النوع 106٪، أى أن هناك 106 ذكور مقابل كل 100 أنثى.
أما فى مجال التعليم العالى، فقد أوضحت بيانات النشرة السنوية للطلاب المُقيدين وأعضاء هيئة التدريس للعام الدراسى 2023/2024، أن نسبة الإناث المُقيدات بالتعليم العالى بلغت 49.6٪، مقابل 50.4٪ للذكور، مما يشير إلى تقارب ملحوظ فى فرص التعليم الجامعى بين الجنسين.
وعلى صعيد سوق العمل، أظهرت البيانات أن 83.8٪ من النساء العاملات يشغلن وظائف دائمة، مقابل 61.4٪ من الذكور، وهو ما يعكس استقرارًا نسبيًا أكبر لدى الإناث فى مجال التوظيف، كما تعمل 29.3٪ من النساء فى مهن علمية وتخصصية، بينما تعمل 8.1٪ فى الأعمال الكتابية، و10.8٪ فى الوظائف الفنية ومساعدى الإخصائيين، و18.5٪ فى الزراعة والصيد، و18.7٪ فى الخدمات ومحلات البيع، فى حين كانت أقل نسبة فى المهن الحرفية، حيث بلغت 2.0٪ فقط.. أما فى مواقع اتخاذ القرار، فقد حصلت المرأة على 4 حقائب وزارية فى الحكومة، بنسبة تمثل 16٪ من إجمالى الوزراء، كما شغلت المرأة 20٪ من مناصب نائب الوزير فى الحكومة الجديدة لعام 2024، وشاركت بنسبة 33.3٪ فى منصب نائبة المحافظ فى آخر حركة للمحافظين خلال العام نفسه.
ظاهرة متصاعدة
وتعلق د. ليلى عبد الوهاب، أستاذ علم الاجتماع، مؤكدة أن عدة عوامل ثقافية واجتماعية أسهمت فى تعزيز صورة الإناث داخل الأسرة والمجتمع، وجعلت من تفضيل البنات ظاهرة متصاعدة فى كثير من المجتمعات، موضحة أن من أبرز هذه العوامل: تأثير الإعلام والمحتوى الرقمى، حيث أصبحت الأعمال الدرامية والأفلام سواء المحلية أو العالمية تُظهر نماذج نسائية قوية ومُلهمة، مما ساعد فى إعادة تشكيل صورة الفتاة باعتبارها عنصرًا فعالًا وطموحًا داخل الأسرة والمجتمع.
وتشير أيضًا إلى أن التغيرات الاقتصادية لعبت دورًا مهمًا، إذ أصبحت بعض الأسر ترى أن تربية البنات أقل كلفة مادية مقارنة بالأبناء، خاصة فى مجتمعات يتحمل فيها الذكور أعباء الزواج وبناء الأسرة. وفى الوقت نفسه، ساعدت السياسات الحكومية فى تمكين الفتيات من خلال دعم التعليم والمشروعات الصغيرة، مما شجع الأسر على الاستثمار فى تعليم بناتهن ودعم استقلاليتهن.
وتضيف د. ليلى: أن هذا التحول لا يُفهم فقط من منظور اقتصادى أو اجتماعى، بل يمتد أيضًا إلى الجوانب العاطفية والإنسانية، حيث تظهر الدراسات أن الفتيات يتمتعن غالبًا بدرجة أعلى من التعاطف والرعاية، ويشكلن مصدر دعم نفسى واجتماعى بالغ الأهمية، لا سيما للوالدين فى مرحلة الكبر.
وتلفت إلى وجود عوامل أخرى تعزز هذا التحول، من بينها: ارتفاع مكانة المرأة فى المجتمع والأسرة، وزيادة مشاركتها فى الحياة السياسية والاقتصادية، وهو ما جعلها عنصرًا مؤثرًا وفاعلًا فى صنع القرار، كما تشير إلى عامل مهم يظهر فى المجتمعات الأوروبية دون غيرها، وهو المساواة فى الميراث بين الذكر والأنثى، مما يمنح البنت نفس الحقوق الاقتصادية، ويعزز من مكانتها داخل الأسرة.. وتؤكد أن تطور التشريعات بما يخدم مصالح وحقوق النساء، إضافة إلى التقدم الثقافى وارتفاع الوعى المجتمعى بحقوق المرأة، كلها عوامل ساهمت فى تقليص الأفكار الذكورية التقليدية، وفى ترسيخ مفاهيم المساواة بين الجنسين، أو ما يُعرف اليوم بمصطلح «مساواة النوع».
وتختم حديثها بأن هذا التغير الإيجابى فى النظرة إلى البنات لا يعنى التقليل من قيمة الذكور، وإنما هو إعادة توازن مجتمعى طال انتظاره، يعطى لكل من الجنسين مكانته ودوره الحقيقى دون تمييز أو تحيز.
أعماق التربية
ومن جانبها، توضح د. هبة على، مستشار نفسى وأسرى وتربوي: أن التحول فى تفضيل إنجاب البنات لا يعود فقط إلى المتغيرات الاجتماعية أو الاقتصادية، بل يمتد إلى أعماق التربية والنظرة النفسية داخل الأسرة.
فهى تشير إلى أن واحدًا من أبرز العوامل هو تراجع الأدوار الذكورية التقليدية، حيث لم يعد الابن الذكر هو الضامن الوحيد لحمل اسم العائلة أو لرعاية الأبوين كما كان يُعتقد سابقًا، بل على العكس، بات شائعًا فى العديد من البيوت أن تتولى البنات مهام الرعاية فى مراحل الشيخوخة، بينما يتوارى بعض الأبناء الذكور خلف مشاغلهم أو التزاماتهم الشخصية.. وتضيف: أن هناك اتجاهًا متزايدًا للربط بين الذكور والمشكلات السلوكية، حيث أظهرت دراسات متعددة ارتفاعًا فى معدلات العدوانية، والانسحاب من التعليم بين الذكور مقارنة بالإناث، وهذا ما يدفع بعض الأسر اليوم إلى اعتبار تربية البنات أكثر استقرارًا وأمانًا، من الناحيتين النفسية والاجتماعية.
كما تؤكد د. هبة أن العلاقة العاطفية بين البنات وأسرهن تُعد سببًا جوهريًا فى هذا التحول، فغالبًا ما تكون الفتيات أكثر حنانًا، ويملكن قدرة كبيرة على التعبير عن المشاعر والاهتمام بالآخرين، خصوصًا بالأمهات، فى وقت يتوقع فيه من الذكور قدراً أكبر من الاستقلالية والانفصال المبكر.. وتلفت أيضًا إلى عامل لا يُناقش كثيرًا، وهو البُعد الاقتصادى والاجتماعى المتعلق بالمخاوف المرتبطة بالذكور، ففى بعض البيئات أصبحت الأسر تخشى من أن يكون الابن الذكر مصدرًا مُحتملًا للمشكلات، سواء بسبب الانخراط فى سلوكياتٍ خطرة أو بسبب الضغوط المالية المرتبطة بالزواج، أو حتى ما قد يترتب على تصرفاته من مسئوليات قانونية، بينما تنظر إلى الفتاة غالبًا على أنها رمز للاستقرار والهدوء العائلى، وهذا يعزز مكانتها فى نفوس الأهل.
«منّة».. درويشة فى عالم المولوية
«عمر» إرادة ضد الإعاقة
صيام الأبناء تغذية سليمة وتهيئة نفسية







