لإنتاج محتوى جذاب وبسيط ودقيق ..لابد من التكامل بين المؤثر الميجا الذى يتابعه أكثر من مليون، والمثقف التقليدى صاحب الخبرة والعلم .
لسنوات طويلة كان قادة الرأى العام يأتون من بين أفراد النخبة المثقفة ، مثل كبار الكتاب والمفكرين كالعقاد وطه حسين ومحمد حسين هيكل ورجال الدين والسياسيين وأساتذة الجامعات ، وعرفت كثير من الدراسات قادة الرأى بأنهم الأشخاص الذين يؤثرون بقوة فى آراء وسلوكيات الاخرين فى المجتمع من خلال مايقدموه من معلومات وآراء وأفكار ، وذلك بفضل مكانتهم الاجتماعية أو الثقافية وخبراتهم .
لكن مع تطور تكنولوجيا الاتصال وتوحش شبكات التواصل الاجتماعى صعد المؤثرون وحازوا على حضور رقمى واسع، ليصبحوا القادة الجدد للرأى العام ، بينما تراجع دورالمثقفين التقليديين - المفكرون والكتاب والصحفيون - وواجهوا تحديات فى الحفاظ على موقعهم. فما مدى عمق هذا التحول؟ وهل أصبح المؤثرون هم من يشكلون الرأى العام ؟ على الرغم من أن أغلبهم من الشباب محدودى الثقافة والخبرة ، كما يقدمون محتوى سطحيا يفتقر الى العمق والدقة ، لكنه مع ذلك محتوى قادر على جذب الشباب لأنه مبهر من النواحى الشكلية ، فهو يعتمد على الصور والفيديوهات ، علاوة على الجاذبية والتشويق ، مما يجعله يحقق مشاهدات عالية ، ويؤثر بقوة فى ادارك الناس وآرائهم .
وعلى عكس النخبة التقليدية ، التى فشلت فى استخدام الفضاء الرقمى وتقديم محتوى جذاب ، يقدم المؤثرون محتوى بسيطا لايعتمد على القراءة والتفكير، انه باختصار يقدم المتعة والتسلية قبل البحث والتفكير ، من زاوية أخرى فإن المؤثرين لا يمارسون أى قدر من الاستعلاء على الجمهور بل انهم يشبهون كثيرا الجمهور ، ومن ثم يميل أفراد الجمهور الى قبول آرائهم وتوصياتهم وكأنها تصدر من شخص قريب لهم ، خاصة وأن أى فرد من الجمهور يستطيع التواصل معهم عبر المنصات الرقمية المختلفة .
فى هذا السياق اثبتت كثير من الدراسات عبر العالم أن المؤثرين بات لديهم القدرة على تشكيل المواقف السياسية والحياتية للجمهور، عبر منصات مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب، حيث أصبح لديهم سلطة على الرأى العام وعلى اتجاهات الناخبين . واجريت دراسات على تويتر أثبتت أن المؤثرين هم من يساهمون بشكل ملموس فى استقطاب ومشاعر الجماهير تجاه قضايا مثل المناخ أو الحرب فى غزة . وكما هو معروف فقد نجح المؤثرون عبر العالم فى تسويق المنتجات والخدمات ، بتكلفة زهيدة مقارنة بالإعلانات فى الصحافة والتليفزيون .
ويلاحظ أنه لايوجد معيار كمى محدد لتقييم وزن وتأثير المثقف التقليدى ، بينما يقسم المؤثرون عادة الى أربع فئات بحسب أعداد المتابعين لهم ، فهناك المؤثر الميجا الذى يتابعه أكثر من مليون متابع ، والماكرو الذى يتابعه أكثر من 100 ألف الى أقل من مليون متابع ، والمؤثر المايكرو ويتراوح المتابعون له بين 10 آلاف و100 ألف ، وأخيرا هناك المؤثر النانوى ، (Nano-Influencers) والذى يتراوح أعداد المتابعين له بين ألف الى 10 آلاف !!
لكن يظل للمثقفين دور كبير فهم يقدمون الخبرة و التحليل العميق ، ويخاطبون العقل بالمنطق ويقدمون معلومات موثقة ، بينما يميل المؤثرون الى السرعة ومخاطبة العواطف ، و نشر معلومات غير صحيحة أحيانا ، من هنا طرحت أفكارا وصيغا مبتكرة للجمع بين المثقفين التقليديين والمؤثرين الجدد فى تصميم وتنفيذ حملات توعية وتسويق بما فى ذلك التسويق السياسى والاجتماعى لأفكار ومشروعات تنموية ، وأعتقد أن هذا النموذج التكاملى يمكن استخدامه فى مصر لضمان جودة وعمق ودقة المحتوى الذى ينتجه المثقف التقليدي، وجاذبيته وبساطة المحتوى الذى ينتجه المؤثرون الجدد .
ويعتمد هذا النموذج التكاملى على مشاركة أولا : مثقف تقليدى من الوزن الثقيل أو المتوسط ، يكون لديه تاريخ مشرف من انتاج الكتب والمقالات فى تخصص معين ، وثانيا : مؤثر كبير من وزن الميجا (Mega-Influencers) أو مؤثر من وزن الماكرو ، ومن خلال عمل الأثنين معا المثقف التقليدى الكبير ، والمؤثر الميجا يمكن تحقيق نتائج مرضية ، فى تنظيم وإطلاق حملات توعية مدروسة تلتزم بالدقة فى والعمق فى المعلومات ، والبساطة والجاذبية والوصول السريع إلى جماهير واسعة ، مما يخلق فى التحليل الأخير رأيا عاما مستنيرا وواعيا ، عوضا عن الرأى العام السطحى والعاطفى غير العقلانى .

تحت أول ضوء شمس
تصحيح أفكار خاطئة
عقبال بقية مارينا







