وسط مجلدات التاريخ التي تراكمت عبر السنين، تأتينا مكتبة الإسكندرية اليوم بمفاجأة علمية وإنسانية من الطراز الرفيع، حيث شرعت في إطلاق مشروع رقمي فريد يحيي تراث أحد أعظم رموز علم المصريات في القرن العشرين: الدكتور سليم حسن.
هذا المشروع لا يكتفي بالكشف عن وثائق ومخطوطات نادرة تنشر لأول مرة، بل يقدّم للأجيال الجديدة فرصة ثمينة لاستكشاف عبقرية رجل أعاد صياغة فهمنا للحضارة المصرية القديمة.

أولاً: عبقرية مبكرة وجذور راسخة
ولد الدكتور سليم حسن عام 1886 في محافظة الدقهلية، في زمنٍ كانت فيه الآثار المصرية تحت هيمنة البعثات الأجنبية. درس في مدرسة المعلمين، ثم انطلق ليصبح أحد أوائل المصريين الذين كسروا احتكار الأجانب للمتاحف والأبحاث الأثرية، وكانت بدايته في المتحف المصري حيث لفت الأنظار بذكائه واجتهاده.

ثانياً: رحلة علمية بدأت من فرنسا
لم يتوقف طموحه عند حدود الوظيفة المحلية؛ بل سافر إلى فرنسا في عشرينيات القرن الماضي، ودرس هناك علم المصريات، ثم عاد ليبدأ مسيرته في الحفائر والاكتشافات. كان من أوائل المصريين الذين قادوا بعثات أثرية كاملة، وحقق اكتشافات نوعية في منطقة الأهرامات وسقارة.
اقرأ أيضًا | أصل الحكاية| «الكوميديا على جدران المقابر».. روح الفكاهة في مصر القديمة
ثالثاً: سليم حسن في هضبة الأهرام
بين عامي 1929 و1939، قاد سليم حسن عشر مواسم حفائر متتالية في هضبة الجيزة، واكتشف خلالها أكثر من 100 مصطبة أثرية في الجبانة الشرقية، بما فيها مصطبة الطبيبة "باشششت" من الدولة القديمة، وهو الاكتشاف الذي أكد دور المرأة الطبيبة في مصر القديمة. كما عثر على المجموعة الجنائزية للملكة "خنتكاوس" – إحدى أبرز ملكات مصر القديمة.
رابعاً: طريق ونيس.. وكشف جديد
من الوثائق التي تظهر لأول مرة ضمن الأرشيف الرقمي، مخطوطة نادرة تتعلق بكشف سليم حسن عن الطريق الصاعد لهرم الملك "ونيس" بسقارة، وهو أحد أبرز المعالم الجنائزية في الدولة القديمة. هذا الكشف ساهم في فهم أكثر دقة للطقوس الجنائزية الملكية.
خامساً: موسوعة "مصر القديمة"
ما بين الحفريات والتنقيب، لم يتوقف سليم حسن عن التوثيق والكتابة. فألّف موسوعة "مصر القديمة" التي جاءت في 18 جزءاً وتُعدّ المرجع الأساسي لأي باحث أو دارس في علم المصريات. كتبت الموسوعة بأسلوب علمي دقيق ولغة عربية راقية، وتضمنت سرداً شاملاً لتاريخ مصر منذ عصور ما قبل التاريخ حتى نهاية العصر الفرعوني.
سادساً: صرخته لإنقاذ آثار النوبة
في خمسينيات القرن الماضي، كان سليم حسن من أوائل من حذروا من الخطر الذي يهدد آثار النوبة بسبب بناء السد العالي. وقدّم عام 1954 تقريراً إلى "اليونيسكو" استندت إليه المنظمة الدولية في إطلاق حملة إنقاذ آثار النوبة، ليكون بذلك من أوائل الداعين لحماية التراث لا مجرد اكتشافه.
سابعاً: الأرشيف الرقمي.. استعادة حياة منسية
اليوم، وبعد نحو ستين عاماً من رحيل هذا العالم الجليل، تعود أعماله لتُبعث من جديد عبر مشروع رقمي طموح أطلقته مكتبة الإسكندرية. يتضمن الأرشيف أكثر من 3140 وثيقة بين مخطوطات مكتوبة بخط يده (بالعربية والإنجليزية والفرنسية)، وصور فوتوغرافية نادرة، وخرائط ومراسلات، لم يُنشر الكثير منها من قبل.
ثامناً: مشروع استغرق عقداً من الزمن
أشرفت على المشروع أميرة صديق، مديرة المشروعات بمركز توثيق التراث الحضاري والطبيعي، وقالت إن المشروع استغرق عشر سنوات كاملة، شملت عمليات تدريب مكثفة لطلبة الآثار والتاريخ، شاركوا في تصنيف الوثائق وتحليلها علمياً، ما يتيح للجيل الجديد من الباحثين فهماً أعمق لمسيرة سليم حسن.
تاسعاً: موقع إلكتروني شامل
تم إطلاق موقع إلكتروني خاص بالأرشيف، يحتوي على عدة أبواب منها:
حفائره في الجيزة (1929–1939)
أعماله في سقارة
مراسلاته الرسمية
مخطوطاته الخاصة
صور أثرية ميدانية
ويتميّز الموقع بسهولة التصفح، وإمكانية البحث داخل الوثائق باستخدام كلمات مفتاحية.
عاشراً: تكريم الأسرة وشهادة الأجيال
في حفل إطلاق المشروع، عبّر السفير عمر أحمد سليم حسن، حفيد العالم، عن امتنانه العميق لمكتبة الإسكندرية، قائلاً: "رغم غياب الوسائل الحديثة، استطاع جدي أن يجوب مصر من شمالها لجنوبها ليعيد الحياة إلى التاريخ… واليوم تُعيد مكتبة الإسكندرية الحياة لإرثه".
وأضاف أن الأرشيف الرقمي سيحفظ جهود سليم بك حسن من الضياع ويمنحها مكانها المستحق في ذاكرة الوطن.
حفظٌ لذاكرة وطن
يأتي هذا المشروع في وقت تشتد فيه الحاجة لحفظ التراث المصري من النسيان أو التزوير أو الضياع، ومبادرة مكتبة الإسكندرية ليست مجرد أرشفة لمستندات، بل هي فعل وفاء من وطن لعالمه، ومن ذاكرة لمَن صاغ وجدانها.
وسيبقى سليم حسن، برؤية رائدة وكلمات من ذهب، أحد أصدق سفراء مصر القديمة في عصرها الحديث.
اقرأ أيضًا | فجرت خلافات بين الأزواج فدفنوها تحت الرمال.. «انجليزية» أشعلت نار الغيرة بسيوة

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







