وليد علاء الدين
أستطيع أن أجزم بالتالى: مهما تعددت أشكال الإنتاج البصرى لحكايات «ألف ليلة وليلة» فى السينما، أو التليفزيون، ثم باستخدام الوسائل المتعددة والذكاء الاصطناعى، سيظل أجمل تصور بصرى لهذه الحكايات هو ما قدمته الإذاعة، وقبلها ما سمعناه من الجدات فى حكايات قبل النوم هل يعارضنى أحد؟
لا شىء يمكنه أن يفوق فى الكمال والبراعة والدقة، قدرة المرء على التخيل ستصاب بنوبة ذعر إذا تخيلت بنفسك صورة العفريت الذى تجتهد الجدة فى تجسيده لك، ولكنك قد تسقط على قفاك من الضحك حين تراه مجسداً فى صورة رجل ضخم أزرق البشرة بعينين حمراوين وقرنين مدببين وكرش مستدير!
هذه الشعرة بين التجسيد، واستثارة الخيال ليتمكن بنفسه من التجسيد، هى السمة الأبرز التى يمكن التقاطها - بين سمات أخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها - فى ثنايا ديوان «فوات الأوان» للشاعر محمد أبوزيد، الصادر حديثاً عن دار ديوان.
بدا لى أن الشاعر فى هذا الكتاب يراهن على خيال القارئ، بثقة اكتسبها عبر ثمانية دواوين وثلاث روايات، فى قدرته على تفخيخ الجُمل والعبارات بقطرات من نسغ الحيرة والتساؤل الذى يسرى فى خياله، نسغ يمرره بحساب ليكون كافياً -فحسب- لإثارة مخيلة القارئ ليصنع بخياله الخاص عوالم تعشش فيها صور «فوات الأوان» وتسكن، وتتناسل.

إذن هذا كتاب صور؟ الأدق أنه كتاب محرض على صنع الصور؟ كما تُحرض حكايات الجدات وأصوات الممثلين فى الإذاعة خيالات القراء مستوى محسوب من الإنتاج الفنى، يشبه العطر الخفيف المصنوع بمهارة كى لا يصادر على حاسة الشم، بل يساعد من خلالها على استدعاء جمال الرائحة من ذاكرة المتلقى أو يشبه تحركات الظلال الرشيقة السريعة على الجدران فلا تصادر على حاسة البصر، بل تثيرها لتستحضر من مخزون الخيال ما يناسب كل راءٍ من أحوال. أو يشبه المقطوعة الموسيقية التى تتخفف من الإيقاعات النمطية، والجمل التقليدية فتفتح باب التأويل وتحمل كل مستمع إلى حيث تريد.
لعل هذه الميزة هى التى جعلت الكثير من جمل الديوان مفاتيح، تُدار بقوة الشعر فى ثقوب أبواب وشبابيك المخيلة، فتثير رغبة المتلقى إلى أن يصبح شريكاً فى الإنتاج وهذا ما انتابنى فأنتجت حتى الآن حوالى 15 لوحة، هنا حديث عن بعضها.
«هؤلاء الذين يتحركون فى الشارع ليسوا بشراً» يستهل أبوزيد قصيدته بهذه الجملة، ثم يشطبها طباعياً بواسطة خط يقطعها عرضياً، قبل أن يستكمل «آسف شطبتها، لم أقصد جرح مشاعرهم، أقصد أنهم علبة ألوان مائية تتعارك فوق لوحة. هذا النادل فى المقهى، مثلاً، ليس كائناً فضائياً كما ظننت، لكنه خارج لتوه من فيلم فى ذهنى. هذه المقاعد والمحلات والسيارات المارقة بسرعة رهيبة كتبتها من قبل فى قصيدة أخرى. لكن ماذا عنى؟ لا دماء فى جسدى، ولا عيون تقودنى من جمجمتى لكنى أشعر بالحياة تفور فى رأسى»
يمكنك أن تلاحظ أن القصيدة تتصاعد بالفعل كأنها لوحة تتعارك فوقها علبة ألوان، ولعلك مثلى انتبهت إلى استخدام مصطلح تتعارك، وبما أن الشاعر ليس سكندرياً، وهو كذلك ليس متفاصحاً ينحت المصطلح من معنى المعركة، فهو ليس سوى طفل، يختار من المفردات ما يحقق هذه الذائقة، ويعززها بتركيبة الجملة الطفولية «هؤلاء الذين يتحركون فى الشارع» هكذا يراهم، وهو كطفل، لا يرى فى نزع صفة البشرية عنهم إهانة، ولكنه تحسباً لأن يتسبب فى جرح مشاعرهم يتأسف ويشطب الجملة، لكنه لا يتراجع عنها؛ بل يُثبتها ويؤكدها من خلال شطبها بالقلم.

قبل أن أستكمل قراءة هذه القصيدة كنت متورطاً بتصورها بصرياً، لأنها بالفعل لوحة، كل ما كنت أفكر فيه هو الكيفية التى سأعبّر بها عن إيحاء التعارك، وأين سأضع الشاعر فى موقف يشبه موضعه من القصيدة حيث يبدو متورطاً بالمشهد لكنه -بالتأكيد- ليس جزءاً منه!
«أمام مقبرتين متجاورتين قال الحانوتى لزميله: جثتى أجمل من جثتك» هذه قصيدة، أقصد أنها قصيدة مكتملة وإن كانت جملة فى قصيدة أطول عنوانها يصلح هو الآخر قصيدة «كم أنت جميل أيها الموت!». وهذه لعبة يجيدها محمد أبوزيد وتتكرر كثيراً فى هذا الديوان، وكان لا مفر أمامى من اقتناص أصدائها فى خيالى وتحويلها إلى لوحة.
«سمكة تعوم فى الهواء، يقول رجل الدين: غضبٌ من الله. يشير عالمُ الفضاء: مركبة فضائية. يصيح إيلون ماسك: سأشتريها. لم يسأل أحدهم السمكة ماذا حدث؟ لم يسأل أحدهم الشاعر: ما القصة؟». وكان على الرسام أن يسأل؛ فسألت؛ فصارت اللوحة.

«لم تنج السفينة. قال نوح، علينا أن نخفف الحمولة. لكن انتظروا.. لماذا تتجه عيونكم إلىَّ؟» هذه الجملة أيضاً قصيدة كاملة وإن كانت جزءاً من قصيدة تحمل عنوان «نبى فى سفينة»، تماهيت مع نوح، واستبدلت أثناء القراءة كلمة «انتظروا» بكلمة تعجب واعتراض شعبية شهيرة مكونة من ثلاثة حروف تُقرأ من اليمين كما تُقرأ من اليسار، وحملتْ لأسباب مجهولة إيحاءات بذيئة. أحسست أنها لا تُنطق إلا بهذه الطريقة؛ فسكبت ألوان الأكريليك على سطح البلاستيك الشفاف بحيث يمكنك قراءة اللوحة من جهتيها كما هو الحال مع الكلمة الشهيرة.
«بعد نوم عميق فَتَحَت المحيطاتُ المتجمدة عينيها؛ فرأت السماء حمراء كالحرية». المحيطات -وإن كانت جمعاً لأكثر من محيط، يقع كل منها فى جهة مختلفة من الأرض؛ فهى -فى قاموس محمد أبوزيد- لها عينان اثنتان تفتحهما عندما تستفيق، وليس عيوناً كما يستدعى منطق الجمع والتعدد! هذا ببساطة لأنها -كما أراد لها، أو كما رآها فى قصيدته- هى كائن ضخم متجمد ينام نوماً عميقاً كأى كائن حى، وربما كالإنسان، وبالتالى فإنها حين تستيقظ ستفتح عينيها فترى السماء حمراء.

بعد اشتباكك مع هذه التركيبة الطفولية، لن ترى لون السماء الأحمر سوى بما يستحقه من «طفولة»، وستبدو كلمة الحرية المسبوقة بكاف التشبيه نتوءاً. وهو هنا -كما تلقيته- نتوء مقصود داخل اللعبة، بل هو النتوء الذى يصنع اللعبة ويستدعى هذا التاريخ الطويل من علاقة اللون الأحمر بالحرية أو علاقة الحرية باللون الأحمر، وهو تاريخ قد لا يكون موجوداً من الأساس، أو قد لا يكون القارئ على معرفة به. لعل أفضل وسيلة لصنع تاريخ غير موجود، أو غير معلوم عند القارئ أن تضعه هكذا: نتوءاً فى لعبة.

لقد تعلق هذا النتوء بذهنى، وحضرت أمام عينى لوحتى الحمراء التى رسمتها فى بداية العام؛ فبدت لى صدىً بصرياً لهذه الجملة الشعرية. أو بدت لى هذه الجملة الشعرية صدى للوحة. لذا؛ وبالاستعانة بقلم الحبر الأحمر نقشت العبارة أسفل اللوحة، تماماً حيث ينبغى أن تكون فصارت امتداداً لسماء أبى زيد الحمراء التى تراها محيطاته المتجمدة حين تفيق من نومها العميق وتفتح عينيها.

دخل الربيع يضحك..رباعية سينمائية تستحق الاحتفاء
كفه عليها... وبين الاسمين تتفرد تلك المنطقة بسحرها الخاص؛ حيث تمتزج الروحانية بجمال
من مدرجات الجامعة إلى فضاء الثقافة والصحافة:







