صون النفس البشرية «واجب شرعى» |العلماء: التهـاون فـى إجراءات السلامة«خيانة للأمانة»

د.عبدالفتاح العوارى و د. سارة منصور و د. صفوت المتولى
د.عبدالفتاح العوارى و د. سارة منصور و د. صفوت المتولى


حسام بركات

رفع الإسلام قدر النفس الإنسانية، وجعل صيانتها من أعظم المقاصد التى جاءت بها الشريعة الغراء فقال تعالى: «ولاتقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما».. حول أهمية حماية النفس البشرية وحفظ حرمتها يقول د.عبدالفتاح العوارى، عضو مجمع البحوث الإسلامية: إن حماية النفس البشرية ضرورة شرعية، فمن مقاصد الشريعة الغراء بل من ضرورياتها الخمس: المحافظة على النفس البشرية، بل أتت هذه التشريعات من أجل حماية تلك النفس، وبيان حرمتها عند الله تبارك وتعالى، لأن الله هو الذى خلقها ووهبها الحياة وهو من يسلب منها الحياة، فمن سلب منها الحياة كان جزاؤه وفاقًا على قدر ما اقترف من ذنب وإثم فيها وفى حقها، وكان القصاص له فى الحياة الدنيا بالمرصاد والله تبارك وتعالى بيَن فى القرآن الكريم أنه «من قتل نفس بغير نفس أو فساد فى الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا» وبيَن الاعتداء الصريح فقال تعالى «ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق» والنبى  بيَن فى كثير من الأحاديث الشريفة على حرمة النفس البشرية وعدم جواز الاعتداء عليها ومنها قوله «لزوال الدنيا أهون عند الله من سفك دم امرئ مسلم».

ويضيف أن الاعتداء نوعان منه ما هو مقصود بمعنى أن صاحبه قد بيت النية على سلب حياة هذه النفس، فالله قرر العقوبة عليه فقال «ولكم فى القصاص حياة يا أولى الألباب» فهذا النوع تقف له الشريعة بالمرصاد، أما النوع الآخر فهو الاعتداء على النفس غير المقصود، أى القتل الخطأ الذى له أحكامه وعقوبته المقررة فى الشريعة الإسلامية وفى كتب الفقه حيث بين العلماء ما يجب تجاه من يقتل مؤمنًا خطأ مع بيان الفرق بين من قتل متعمدًا وبين الخطأ.

اقرأ أيضًا | أحمد نبوي: الأذى النفسي أشد من الجسدي ومواقع التواصل تتحول لساحة ظلم


ويؤكد د. صفوت المتولى، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن التهاون فى إجراءات السلامة خيانة صريحة للأمانة التى حملها الله للإنسان، وتفريطا فى حقٍ عظيم من حقوق الحياة، فما أكثر ما نرى من مآسٍ سببها الإهمال، كعاملٍ أُلقى فى ميدان العمل دون أدنى وسائل الوقاية، فهوت عليه أداةٌ من شاهق، فأردته صريعا، أو كمنشأةٍ تجاهلت أبسط شروط الحماية، فتحولت إلى مسرحٍ للفواجع فى لحظة غفلة، ولعل أبلغ الأمثلة ما نشهده من كوارث ناجمة عن إهمال السائقين، حيث يتهاون البعض فى فحص مركبته، أو يتغافل عن مكابح متهالكة، فتكون النتيجة انقلاب حافلةٍ تقل أرواحا بريئة، تُسفك بسبب استهانة لحظية، بل قد تمتد الغفلة إلى الانشغال بالهاتف أو تجاهل ربط الحزام، ليتحول الطريق إلى مقبرةٍ من حديد وزجاج، وكم من طريقٍ أصبح شاهدًا على مأساةٍ سببها حفرة مهملة أو إشارة معطلة لم تُصلح فى وقتها، إن إهمال صيانة الطرق، أو التقاعس فى وضع التحذيرات اللازمة، يُعد شراكة صامتة فى الجريمة حين تقع، إن مثل هذه الحوادث لا تُسجّل فى السماء كأقدار فُجائية، بل تُدوَن كأخطاء إنسانية يمكن تلافيها لو وُجد ضميرٌ يقظ، وعقلٌ يزن العواقب قبل أن تقع، فالمسلم الحق لا يستهين بأسباب الهلاك، ولا يبرر التقصير باسم العادة أو العجلة، وإن هذا كله، لا يُعد مخالفة إجرائية فحسب، بل هو تفريط شرعى وسقوط أخلاقي، يعاقب عليه المرء فى الدنيا قبل الآخرة، فالسلامة ليست بروتوكولا يُطبق عند الضرورة، بل هى عبادة خفية، تُقاس بها خشية الإنسان من الله، وصدق مسئوليته تجاه من حوله.

وتشير د. سارة منصور، أستاذ الطفولة بجامعة حلوان إلى حادث الطريق الإقليمى باعتباره نداءً أخلاقيًا ودينيًا ومجتمعيًا للوقوف أمام أنفسنا حول كيفية الحفاظ على أطفالنا وعلى النفس البشرية التى كرّمها الله؟ حيث يقول الله تعالى: «ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق»، فبهذا التوجيه الإلهي، تصبح حماية النفس مسئولية جماعية، لا تقتصر على الأسرة فقط، بل تشمل الدولة، والمدرسة، والمسجد، وكل فرد فى المجتمع.

فالأسرة هى خط الدفاع الأول، فيجب على كل ولى أمر أن يتأكد من أمان وسيلة النقل، وأن يراجع الجهة المنظمة، وألا يسمح بالمشاركة فى أى رحلة دون الاطمئنان الكامل على تفاصيلها كما أن الدولة مسئولة عن فرض رقابة صارمة على الطرق، وتفعيل القوانين، وتطوير البنية التحتية للطرق ووضع كاميرات المراقبة والرادارات، وتغليظ العقوبات على السائقين المتهورين، وكذلك للمؤسسات التعليمية والمسجد والإعلام دور جوهرى فى التوعية ونشر الوعى الدينى والأخلاقى بأن النفس أمانة، والتفريط فيها ذنب كبير، كما يجب أن نجعل هذه المأساة بوابة يقظة ونقطة تحول حقيقية لنحمى أبناءنا ليس فقط بالكلمات بل بالإصلاح والمحاسبة.