خواطر الشعراوى |دليل صدق لا إله إلا الله

محمد متولي الشعراوي
محمد متولي الشعراوي


يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 254 من سورة البقرة قائلا: نعرف أن بعضنا من البشر فى فترات الغفلة قد عبدوا أصنامًا وعبدوا الكواكب. ولكن هل كانت آلهة بحق أم بباطل؟ لقد كانت آلهة بباطل.

ودليل صدق هذه القضية التى هى «لا إله إلا الله»، أى لا معبود إلا الله أن أحدا من تلك الآلهة لم يعترض على صدق هذه القضية. إذن فهذا الكلام هو حق وصدق.

وإن ادعى أحد غير ذلك، نقول له: إن الله قد أخبرنا أنه لا معبود بحق غيره؛ لأنه هو الذى خلق وهو الذى رزق، وقال: أنا الذى خلقت. إن كان هذا الكلام صحيحًا فهو صادق فيه، فلا نعبد إلا هو.

وإن كان هذا الكلام غير صحيح، وأن أحدًا غيره هو الذى خلق هذا الكون فأين هذا الأحد الذى خلق، ثم ترك من لم يخلق ليأخذ الكون منه ويقول: «أنا الذى خلق الكون»؟ إنه أمر من اثنين، الأمر الأول: هو أنه ليس هناك إله غيره. فالقضية إذن منتهية.

والأمر الآخر: هو أنه لو كان هناك آلهة أخرى، وبعد ذلك جاء واحد وقال: «أنا الإله وليس هناك إله إلا أنا» .

فأين هذه الآلهة الأخرى؟ ألم تعلم بهذه الحكاية؟ إن كانوا لم يعلموا بها، فهم لا يصلحون أن يكونوا آلهة، وإن كانوا قد علموا فلماذا لم يقولوا: لا. نحن الآلهة، وهذا الكلام كذب؟ وكما بعث الله رسلا بمعجزات كان عليهم أن يبعثوا رسولا بمعجزات.

فصاحب الدعوة إذا ادّعاها ولم يوجد معارض له، تثبت الدعوى إلى أن يوجد مُنازِع. إذن كلمة «لا إله إلا الله» معها دليل الصدق؛ لأنه إما أن يكون هذا الكلام حقا وصدقا فتنتهى المسألة، وإن لم يكن حقا فأين الإله الذى خلق والذى يجب أن يُعبد بعد أن سمع من جاء ليأخذ منه هذه القضية؟ وبعد ذلك لا نسمع له حسًا ولا حركة، ولا يتكلم، ولا نعلم عنه شيئا، فما هو شأنه؟ إما أنه لم يعلم فلا يصلح أن يكون إلها؛ لأنه لو كان قد علم ولم يرد فليست له قوة.

ولذلك ربنا سبحانه يأتى بهذه القضية من ناحية أخرى فيقول: «قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إلى ذِى العرش سَبِيلًا سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا» «الإسراء: ٤٢ - ٤٣» فلو كان عند تلك الآلهة المزعومة مظاهر قوة لذهبوا إلى الله سبحانه وتعالى وأنكروا ألوهيته، ولو كان هناك إله غير الله لحدثت معركة بين الآلهة، ولكن هذا لم يحدث.

فالكلمة «لا إله إلا الله» صدق فى ذاتها حتى عند من ينكرها، والدليل فيها هو عدم وجود المنازع لهذه الدعوى؛ لأنه إن لم يوجد منازع فقد ثبت أنه سبحانه لا إله إلا الله. وإن وجد المنازع نقول: أين هو؟ وأضرب هذا المثل ولله المثل الأعلى هب أننا فى اجتماع، وبعد ذلك وجدنا حافظة نقود، فعرضناها على الموجودين، فلم نجد لها صاحبًا، ثم جاء واحد كان معنا وخرج، وقال: يا قوم بينما كنت أجلس معكم ضاعت حافظة نقودي.

ولما لم يدعها واحد منا لنفسه فهى إذن حافظته هو. إذن «لا إله إلا الله» هى قضية تمتلئ بالصدق والحق، والله هو المعبود الذى يُتَوَجّه إليه بالعبادة، والعبادة هى الطاعة. فمعنى عابد أى طائع، وكل طاعة تقتضى أمرًا وتقتضى نهيًا، ومادامت العبادة تقتضى أمرًا وتقتضى نهيًا، فلا بد أن يكون المأمور والمنهى صالحًا أن يفعل وصالحًا ألاّ يفعل.

فعندما نقول له: افعل كذا كمنهج إيمان، فهو صالح لئلا يفعل. وعندما نقول له: لا تفعل فهو صالح لأن يفعل، وإلا لو لم يكن صالحا ألا يفعل أيقول له «افعل»؟ لا، لا يقول له ذلك. ولو كان صالحا ألا يفعل أيقول له «لا تفعل»؟ إن ذلك غير ممكن. إذن لابد أن يكون صالحًا لهذه وتلك وإلا لكان الأمر والنهى عبثًا ولا طائل من ورائهما.