أسرار مدفونة في كرموز.. مقابر العمود تروي قصص سكان الإسكندرية

مقابر العمود
مقابر العمود


وسط النسيج التاريخي العريق لمحافظة الإسكندرية، تقف مقابر العمود بمنطقة كرموز شاهدة على قرون من التاريخ والذاكرة الإنسانية، فهذه المنطقة لا تضم شواهد دفن فقط، بل تحتفظ بقصص المجتمع السكندري وتطوراته، في محيط يضم أبرز معالم المدينة الأثرية، من عمود السواري إلى مقابر كوم الشقافة، لتشكل معًا سجلًا مفتوحًا يوثق تعاقب الحضارات على عروس البحر المتوسط.

أكد الباحث الأثري تامر المنشاوي أن مقابر العمود بمنطقة كرموز في الإسكندرية تمثل جزءًا أصيلًا من الذاكرة التاريخية للمدينة، موضحًا أنها لا تقتصر على كونها جبانات للدفن، بل تعد سجلًا مفتوحًا يوثق مراحل مختلفة من تطور المجتمع السكندري عبر العصور، ويعكس جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية والثقافية التي شهدتها المدينة.

 

- ارتباط وثيق بمقابر كوم الشقافة

 

وأشار المنشاوي إلى أن أهمية المنطقة ترتبط بموقعها التاريخي المميز بالقرب من منطقة عمود السواري الأثرية، أحد أبرز معالم الإسكندرية القديمة، والذي يرجع إلى العصر الروماني، ويعد من أهم الشواهد المعمارية الباقية التي تعكس المكانة الحضارية التي تمتعت بها المدينة خلال تلك الفترة، حيث يشكل مع المناطق المحيطة به جزءًا من المشهد التاريخي المتكامل للإسكندرية.

 

اقرأ ايضا| خبير آثار: المقابر الملكية في مصر شاهدة على العصر| صور

 

وأوضح الباحث الأثري أن مقابر العمود تقع بالقرب من مقابر كوم الشقافة، التي تعد من أهم الجبانات الأثرية في الإسكندرية وترجع إلى العصر الروماني، وتمثل نموذجًا فريدًا لامتزاج الحضارة المصرية القديمة بالتأثيرات اليونانية والرومانية، سواء من خلال العمارة أو النقوش أو الفنون الجنائزية.

وأضاف أن وجود مقابر العمود في هذا المحيط التاريخي يمنحها قيمة إضافية، إذ تمثل امتدادًا لتاريخ الإسكندرية الطويل، وتكشف عن استمرار أهمية المكان كمركز للدفن وحفظ الذاكرة الإنسانية خلال فترات زمنية متعاقبة.

 

- شواهد تحكي تاريخ المجتمع السكندري

 

وأكد تامر المنشاوي أن مقابر العمود تضم عددًا من الشواهد التاريخية ذات القيمة الكبيرة، حيث يعود عمر بعض هذه الشواهد إلى أكثر من مائة عام، وتحمل بين تفاصيلها معلومات مهمة عن أصحابها، بما يعكس طبيعة المجتمع السكندري في الفترات الماضية.

وأوضح أن بعض شواهد القبور صنعت من الرخام، وتضم نقوشًا وكتابات تحتوي على أسماء المتوفين وتواريخ الوفاة وعبارات تذكارية متنوعة، إلى جانب آيات قرآنية ونصوص كتابية تعكس الطابع الديني والثقافي السائد وقت إنشاء هذه الشواهد.

 

- الطربوش رمز للمكانة الاجتماعية

 

وأشار الباحث الأثري إلى أن بعض شواهد المقابر تحمل رموزًا تعبر عن الهوية الاجتماعية لأصحابها، ومن أبرزها تصوير الطربوش على بعض القبور، وهو عنصر يعكس طبيعة المكانة الاجتماعية والسمات الثقافية السائدة في مصر خلال أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.

وأوضح أن هذه الرموز لا تمثل عناصر زخرفية فحسب، بل تعد وثائق بصرية تساعد الباحثين على فهم طبيعة المجتمع وأنماط الحياة والملامح الاجتماعية خلال تلك الحقبة.

 

- وثيقة حية لتاريخ الإسكندرية

 

وشدد تامر المنشاوي على أن القيمة الحقيقية لمقابر العمود تنبع من وجودها داخل نسيج تاريخي متكامل يضم بقايا الإسكندرية القديمة وآثارها الرومانية، إلى جانب شواهد تعود إلى عصر أسرة محمد علي باشا وحتى العصر الحديث، الأمر الذي يجعل المنطقة وثيقة حية تسجل تطور المدينة وسكانها عبر آلاف السنين.

وأكد الباحث الأثري أهمية توثيق مقابر العمود والحفاظ على الشواهد الرخامية والعناصر التاريخية الموجودة بها، باعتبارها جزءًا من ذاكرة الإسكندرية المادية، مشيرًا إلى أن كل شاهد قبر يحمل بين تفاصيله قصة من قصص المدينة وتراثها الحضاري، بما يستوجب الحفاظ عليه للأجيال القادمة باعتباره شاهدًا على تاريخ عروس البحر المتوسط وتطور مجتمعها عبر الزمن.