الغوص.. مهنة لا تقبل الأخطاء

الغوص
الغوص


فى أعماق البحر، حيث لا تصل أشعة الشمس ولا صوت البشر، يعمل رجال من نوعٍ خاص، يحملون قلوبًا لا تعرف الخوف، وعقولًا مدربة على مواجهة المجهول. إنهم الغواصون، أولئك الجنود المجهولون الذين يخوضون معاركهم فى صمت، ويؤدون مهامًا دقيقة وشاقة تحت سطح الماء، فى بيئة لا تحتمل الخطأ.

مهنة الغوص فى أعماق البحر ليست مجرد وظيفة، بل نمط حياة يتطلب قدرًا هائلًا من الصبر، والشجاعة، والانضباط، إلى جانب لياقة بدنية عالية، وذكاء حاد للتعامل مع مواقف مفاجئة قد تكون فيها الحياة معلقة على أنفاس قليلة داخل خوذة معدنية على عمق عشرات الأمتار.

هذه المهنة لا تحتمل العشوائية، ولا مكان فيها للهواة، إذ يشترط على من يمارسها الحصول على شهادات اعتماد وصلاحية للغوص، بعد تدريبات قاسية واختبارات دقيقة، تضمن جاهزية الغواص نفسيًا وجسديًا لمواجهة قسوة الأعماق.

الغواصون لا يكتفون بمجرد استكشاف الأعماق أو جمع اللآلئ كما يتخيل البعض، بل يتولون مهامًا حيوية لا يعرف عنها كثيرون شيئًا، مثل لحام هياكل السفن، وصيانة الموانئ، وإصلاح أعطال أنابيب البترول تحت سطح البحر، وهى مهام دقيقة للغاية، تتطلب احترافًا فنيًا عاليًا، وتُنفذ فى ظروف شديدة القسوة.

ورغم ضخامة هذه المهام وخطورتها، يواجه الغواصون فى المقابل إهدارا إلى حد ما فى حقوقهم، فلا تأمين صحيا يضمن لهم العلاج إذا تعرضوا لحادث أو مرض مهنى، ولا مظلة اجتماعية تضمن مستقبلهم أو تعترف بجميل تضحياتهم.

إنهم يطالبون، وبكل تواضع، بتأمين صحى شامل، وتأمين اجتماعى يضمن لهم حياة كريمة بعد سنوات العطاء، وهى مطالب بسيطة، لكنها تمثل الحياة لهم.

فى هذا التحقيق، نسلط الضوء على أصحاب هذه المهنة الشاقة، إيمانًا منا بأن من يخاطر بحياته فى سبيل استمرار الحياة على السطح، يستحق كل تقدير واحترام، ويستحق أيضًا أن نسمع شكواه.

إننا نحاول أن نقدم، من خلال هذه السطور، صورة أقرب لحقيقة هذا العالم الغامض، ودعوة صادقة للنظر فى مطالب هؤلاء الأبطال، الذين يعملون فى صمت ويعطون الكثير دون أن ينتظروا شيئًا، سوى  الإنصاف.



اقرأ أيضًا | غواصة USS Delaware الأمريكية تطلق وتستعيد مركبة Yellow Moray تحت الماء

أحمد القاضى غواص بمدينة الغردقة يقول إن مهنة الغوص تحت المياه تعتبر من المهن العظيمة والتى تدعو للفخر لصاحبها، حيث لا يقتصر فقط الغوص على أعمال الترفيه والسياحة فقط ، فهناك أعمال شاقة يقوم بها الغواصون خاصة التجاريين منهم تحت المياه، ومن بين هذه الأعمال هى إصلاح أعطال السفن ولحامها تحت المياه بالإضافة إلى إصلاح أعطال أنابيب البترول والغاز أسفل المياه فى مناطق اكتشافات البترول والغاز الطبيعى فى البحرين الأحمر والمتوسط مضيفًا أنه لا يمكن لأى إنسان أن يصبح غواصًا فى أعماق البحار، فالمهنة تتطلب مواصفات خاصة سواء كانت مهارية أو جسمانية مثل تحمل ضغط المياه والقدرة على التعامل مع المشكلات المختلفة أسفل المياه بالإضافة إلى ضرورة حصول الغواص على دورات تدريبية معتمده من شركات وسناتر الغوص المعترف بها سواء من هيئة السلامة البحرية أو وزارة السياحة عبر غرفتها «غرفة الغوص».

مراجعة دورية
ويوضح القاضى أن هناك بعض المخاطر التى تواجه الغواصين أثناء عملهم فى أعماق المياه، ومن بين هذه المخاطر إمكانية التعرض للتسمم بسبب ارتفاع نسبة ثانى أكسيد الكربون فى أسطوانات الأكسجين أثناء الغوص، أيضا من المشكلات والتحديات التى تواجه الغواصين تحت المياه هى عدم نظافة فلاتر الأكسجين واحتواء مخدات الفلاتر على نسبة كربون كبيرة أو أن أسطوانة الأكسجين نفسها قد تكون ملوثة كل ذلك أسباب تجعل الغواص أسفل المياه يتعرض للخطر لذلك مطلوب من شركات الغوص التابع لها الغواصون عمل مراجعة دورية لأعمال الصيانة والمراجعة لاسطوانات الأكسجين قبل نزول الغواصين فى أعماق مياه البحر. 

وقال القاضى إن المخاطر تشمل أيضا حدوث ما يسمى بتخدر النيتروجين للغواصين تحت المياه، حيث تزيد نسبة النيتروجين على حساب الأكسجين فى أسطوانة التنفس وهو ما يسبب غثيانا ودوخة ودوارا وارتفاع درجة الحرارة وتعرقا وانسدادا فى الشرايين وهو ما قد يؤدى إلى  حدوث الوفاة أسفل المياه للغواص، موضحا أن من ضمن المخاطر التى تواجه الغواصين أثناء اللحام لبعض المراكب والسفن أسفل المياه هى أن اللحام قد يكون بجوار الرفاص أو المروحة الخاصة بالمركب أسفل المياه ومن الممكن أن يحدث سَحبا للغواص ناحية المروحة ويدفع حياته ثمنًا لهذا السحب لذلك نطالب دائمًا كغواصين بتركيب ما يشبه بالقفص الحديدى الخارجى حول الرفاص الخاص بأى مركب أو سفينة حتى لا يتم سحب الغواص ناحيته. 




جمعية الغواصين
ويقول عمر أحمد غواص بمدينة شرم الشيخ إن مهنة الغوص مهنة شديدة الحساسية وليست سهلة على الإطلاق لأن الخطأ فيها هو الخطأ الأول والأخير خاصة أن التعامل مع هذه المهنة ليس على البر ولكن فى أعماق المياه، مشيرا إلى أن هناك تحديات عديدة تواجه الغواصين، وقد تم إنشاء جمعية منذ عدة سنوات للغواصين ولكن الحلم لم يكتمل، موضحًا أن هناك مخالفات تواجه الغواصين، وقد تتسبب فى حوادث تؤدى فى النهاية إلى الموت ، وعن أبرز هذه المخالفات هى عدم وجود تدريب كاف للأفراد الغواصين، فأصحاب السناتر وشركات الغوص يبحثون دائمًا عن العمالة الرخيصة فيأتون بغواصين غير مؤهلين للسباحة والغوص ولا يعرفون شيئًا عن شروط السيفتى أثناء الغوص، وللأسف أصحاب السناتر والشركات يعطونهم كورسات ضعيفة ويمنحونهم تصاريح للغوص ويكونون مسئولين عن أراوح الناس دون أن يكون لهم تجارب فى الغطس وهو ما ينتج عنه حوادث.

ويضيف عمر أن هناك ما يسمى بالشهادات المضروبة تعطيها السناتر وشركات الغوص لهؤلاء الغواصين المبتدئين حتى يستطيعوا مزاولة المهنة، مشيرا إلى أنه على الرغم من وجود منظمات عالمية مثل منظمة دادى وغيرها من منظمات الغوص المحترمة المصرية لكن هناك منظمات منعدمة الضمير وشركات تعطى هذه التصاريح المزيفة بحثا عن عمالة رخيصة وتوفيرًا للنفقات مطالبا غرفة الغوص بوزارة السياحة وهيئة السلامة البحرية بمراجعة ومراقبة هذه الشركات والسناتر. 

وكشف عمر عن غياب التأمين الصحى والاجتماعى للغواصين، فأوضاعهم صعبة للغاية ولا أحد يهتم بهم، لذلك نرجو من الأجهزة المعنية التدخل لإنقاذنا وتوفير حياة تليق بهم من خلال إقرار تأمين صحى واجتماعى لهم.  


 
السلامة البحرية 
وتقول كاتى ظريف مدربة غوص بمدينة دهب إنها قررت خوض مهنة الغوص رغم صعوبة تلك المهة بالنسبة للفتيات مشيرة إلى أن أعداد الغواصات فى هذا المجال لا يتعدون أصابع اليد الواحدة، موضحة أن هناك العديد من المخاطر التى تواجه الغواصين أسفل المياه من بينها عدم الاهتمام بجهاز الكمبروسور وهو الغاز الذى يقوم بضغط الأكسجين داخل أسطوانة التنفس تحت الماء، فربما يكون فلتر هذا الضاغط الهوائى غير نظيف. 

وتطالب مدربة الغوص الغواصين باتباع تعليمات السلامة البحرية وعدم الغوص لأكثر من 40 مترًا حتى يتلاءم الأكسجين المتوافر بالاسطوانة مع حجم مسافة الغوص بالإضافة إلى الابتعاد عن التدخين والكحوليات وعدم بذل أى مجهود قبل وبعد الغوص بساعتين مع احتساء سوائل لأن الغطس يسبب جفافا والحرص على الاستحمام بمياه باردة بعد الغوص حتى لا يحصل جلطات للغواص، كل هذه أشياء يجب الحرص عليها حرصًا على حياة الغواص. 

تأهيل واحتراف
وعن اشتراطات السلامة البحرية اللازم توافرها للغواصين قال د. محيى الدين محمد السايح عميد كلية النقل البحرى بالأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحرى إن هناك اشتراطات يجب الأخذ بها واتباعها سواء كان الغوص ترفيهيًا أو تجاريا، حيث أكد أنه ليس كل إنسان يستطيع الغوص لأعماق كبيرة، فالأمر يتوقف على الحالة الفسيولوجية وسلامة المعدات والصحة العامة للغواص وسلامة الأكسجين وأنابيب الأكسجين والخراطيم المستخدمة فى التنفس. 

وأضاف د. السايح: يجب التأكد بالنسبة للغواصين التجاريين من عدم حدوث انفجارات أو اشتعال ما يتم إصلاحه تحت الماء حفاظا على أرواح الغواصين، فيجب توفير البيئة الآمنة أولا قبل البدء فى إصلاح أو لحام المراكب وأنابيب البترول، مشيرا إلى أن الغواص التجارى يجب أن يكون مؤهلًا ومحترفاً ولديه شهادات معتمدة من هيئة السلامة البحرية ومنظمات الغوص للقيام بالأنشطة البحرية وأعمال الغوص.

وعبر د. السايح عن استيائه من منظومة الغوص السياحى قائلا: إن الغوص السياحى يتم من خلال مراكز هواية غير حاصلة على تراخيص وغير مؤهلة للغوص مطالبا بضرورة خضوع هذه المراكز للمراقبة وأعمال المراجعة للتأكد من صلاحياتها وقدرتها على توفير البيئة الآمنة للغوص. 

تفتيش مستمر 
من جانبه قال د. أحمد سلطان خبير النقل البحرى واللوجستيات إن الغوص التجارى يخضع للتفتيش من هيئة السلامة البحرية التى تحرص على توفير أعلى درجات الأمن والسلامة البحرية لأعمال الغوص وقال إن هذه المراكز التجارية للغوص من المفترض أنها تخضع للتفتيش من الإدارات الساحلية التابعة لهيئة السلامة البحرية التى تصدر شهادات صلاحية لهذه المراكز للعمل فى مجال الغوص مضيفًا أن الأهم هو الالتزام باشتراطات السلامة البحرية.