مروى حسن حسين
رغم دخول المواجهة بين إيران وإسرائيل مرحلة العلن، منذ تبادل الضربات المباشرة بين الطرفين خلال ربيع عام 2024 وحتى الآن، إلا أن إحدى المفارقات اللافتة فى هذا التصعيد هو الغياب الواضح للأذرع الإقليمية التابعة لإيران عن دعمها العسكرى المباشر فى هذه المعركة.
فبينما كانت إيران تخوض مواجهة مفتوحة ضد إسرائيل لأول مرة بهذا الشكل المباشر، بقى كل من «حزب الله»، والفصائل الشيعية فى العراق، والحوثيين فى اليمن، فى موقع المتفرج أو المراقب، مكتفين بخطابات الدعم أو تحركات محدودة لا ترقى إلى مستوى تدخل حقيقى فى المعركة.
اقرأ أيضًا | إيران تحذر.. إرسال معدات عسكرية عبر السفن والطائرات لإسرائيل بمثابة مشاركة في الحرب
هذا الغياب يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل «محور المقاومة» واستراتيجيته فى ظل المتغيرات الجيوسياسية المتسارعة.
لفهم هذا الغياب، لا بد من العودة إلى السياق الأوسع المتعلق بالتحولات الجيوسياسية فى الإقليم، وعلى رأسها سقوط نظام بشار الأسد، الحليف الأوثق لإيران، والذى مثل لعقود طويلة الجسر السياسى والعسكرى واللوجستى الذى عبرت من خلاله طهران إلى المتوسط.
ومع انهيار النظام السوري، لم تفقد إيران فقط شريكًا ميدانيًا، بل فقدت أيضًا قدرة حيوية على التنسيق العسكري، وتخزين الأسلحة، ونقل الخبرات والمقاتلين إلى لبنان وفلسطين، وهو ما قلص من هامش المناورة الإيرانية فى المنطقة.
التقليص الفعلى للوجود الإيرانى فى سوريا بعد تراجع النظام، سواء لأسباب سياسية أو بفعل ضربات إسرائيلية مركزة، انعكس بشكل مباشر على قدرة طهران على التواصل والتنسيق مع أذرعها التقليدية.
باتت خطوط الإمداد مهددة، والمجال الجوى السورى مكشوفًا أمام الطائرات الإسرائيلية، ومناطق النفوذ الإيرانية فى الجنوب السورى محاصرة بضغوط أمريكية وإسرائيلية وروسية أيضًا. هذا الانكشاف فرض على طهران واقعًا جديدًا: ضرورة الحفاظ على الأذرع دون تفعيلها الكامل، خاصة فى لحظة فقدان العمق الإستراتيجي.
من جهة ثانية، فإن الأذرع نفسها، مثل «حزب الله»، تخضع لحسابات معقدة. فالحزب اليوم ليس كما كان فى العقد الأول بعد 2006، بل بات طرفًا داخليًا فى المعادلة اللبنانية، وتحول من «حركة مقاومة» إلى «قوة سلطة» لها جمهور وشركاء سياسيون واقتصاديون.
أى مغامرة محسوبة على أنها «دفاع عن إيران» قد تقلب المزاج اللبنانى العام ضده، خاصة فى ظل الانهيار الاقتصادى وفقدان الدولة اللبنانية لأدوات الحكم الأساسية. أما الفصائل العراقية الموالية لإيران، فقد باتت هى الأخرى أكثر تقييدًا.
فالحكومة العراقية الحالية تسعى إلى تقديم نفسها كلاعب سيادي، يرفض أن تتحول البلاد إلى منصة صواريخ أو منطقة نفوذ تتقاطع فيها الحسابات الإقليمية.
وهناك ضغوط أمريكية قوية على بغداد لضبط الفصائل المسلحة، وقد مارست واشنطن فى الشهور الأخيرة سلسلة من الهجمات الجوية والتهديدات العلنية ضد أى تحرك من «الحشد الشعبي» أو الفصائل الولائية خارج إرادة الدولة العراقية. وهذا ما يفسر اقتصار ردود هذه الفصائل على البيانات والتعبئة الإعلامية دون تحركات عسكرية نوعية.
حتى الحوثيون، الذين شكلوا فى فترات سابقة رأس حربة إيرانية فى البحر الأحمر، يظهرون اليوم سلوكًا أكثر حذرًا. فبعد الضربات الغربية المركزة على صنعاء والحديدة، والانخراط الأمريكى البريطانى فى تأمين الملاحة، بدا أن قدرة الحوثيين على تنفيذ عمليات نوعية تراجعت. كما أن إيران حريصة، فى هذه المرحلة، على حماية مسار التفاوض السياسى فى اليمن، باعتباره ورقة قابلة للصرف فى تحسين صورتها الدولية، وهو ما يدفعها للضغط على الحوثيين لضبط الإيقاع وعدم الذهاب إلى مواجهة شاملة.
لكن الأهم ربما هو التحول الإستراتيجى فى العقل الإيرانى نفسه. فإيران التى كانت تتبع سياسة «الرد غير المباشر» عبر الأذرع، باتت اليوم تميل إلى سياسة أكثر هدوءًا، تُبقى فيها على الحلفاء كأوراق مؤجلة.
فهى تدرك أن إدخال الجميع فى مواجهة الآن يعنى فتح الباب أمام حرب إقليمية مفتوحة ستكون طهران فى قلبها، فى ظل حالة إنهاك اقتصادى داخلي، وضغوط سياسية تتزايد بسبب الملف النووى والاحتجاجات الداخلية.
كما لا يمكن إغفال أن الحاضنة الشعبية فى الدول التى تنشط فيها هذه الأذرع لم تعد على نفس القدر من الحماسة. فى لبنان والعراق واليمن، يعيش الناس فى ظروف اقتصادية ومعيشية خانقة، تجعلهم أقل تقبلاً لمشاريع الحرب الإقليمية، وأكثر ميلاً إلى الاستقرار.
ومن هنا، فإن التحرك العسكرى من هذه الأذرع، دفاعًا عن إيران، لم يعد مضمون القبول الشعبي، وهو ما يشكل عنصر ردع داخلى غير مباشر.
الحرس الثورى يتوعد أمريكا بالجحيم.. وترامب يهدد بتدمير إيران
خطوط النار تمتد فى لبنان| عون يتمسك بالمفاوضات ونتنياهو يؤكد استمرار المواجهة
واقع جديد بالقوة| تل أبيب تلتهم الضفة.. وواشنطن تتمركز على أبواب غزة






