مـواسـم الـطـاعـات لا تـنـتـهى |العلماء: العبادة «منهج حياة» والثبات عليها شعار المؤمنين

د.فودة السيد و د. حسن درويش و د. محمد عباس
د.فودة السيد و د. حسن درويش و د. محمد عباس


حسام بركات

الاستمرار فى موسم الطاعات والأعمال الصالحة لا يرتبط بزمن محدد؛ وإنما يجب أن يبقى مستمرا طوال العام، بالحرص على عدم ترك الخيرات، لأن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل، فالاستمرار يساعد فى الثبات على الطاعات، ويعد من قبول العمل.. وعن هذا يقول د. حسن درويش، رئيس الإدارة المركزية الأزهرية بالمنوفية: إن الطاعة هى طريق العبد إلى رضا الله، وهى زاد الروح وراحة القلب، وقد جعل الله للمؤمنين مواسم يضاعف فيها الأجر وتُفتح فيها أبواب الخير، مثل شهر رمضان، والعشر الأواخر منه، والأيام العشر من ذى الحجة، هذه المواسم تُضاعف فيها الأجور وتُصفّى فيها النفوس، فهل تنتهى الطاعات بانتهاء هذه المواسم؟ أم أن العبد الصادق يواصل طريقه إلى الله مهما تغيّر الزمان؟ إن من علامات قبول العمل الصالح أن يتبعه العبد بطاعات أخرى، ويستمر فى طريق الخير بعد انتهاء الموسم، لا أن يعود إلى الغفلة والتقصير.

فالمؤمن الحق لا يعبد الله فى رمضان فقط، أو فى موسم دون آخر، بل يعبد الله فى كل زمان ومكان، قال تعالى: «واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»؛ أى حتى الموت. وهذا يعنى أن العبادة لا تنقطع ما دام الإنسان حيًّا، فالطاعة ليست موسمية، وإنما هى منهج حياة. فالمؤمن لا يعبد الله فى وقت دون آخر، بل يجعل حياته كلها طاعة. وقال سبحانه فى وصف المؤمنين: «الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ»؛ فالثبات على الطاعة سمة من سمات أهل الإيمان. وجاء فى الحديث الشريف عن رسول الله  أنه قال: «أحبُّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قلّ»؛ وهذا يدل على أن الاستمرار على العبادة، حتى لو كانت قليلة، أفضل عند الله من العبادة المتقطعة.

ويوضح أن الاستمرار على الطاعة دليل على الإخلاص، وثبات النفس، وحسن التربية، وقوة الإيمان. والمؤمن لا يغتر بطاعاته ولا يركن إلى ما قدم، بل يسعى دومًا إلى المزيد، لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن، والله هو المثبت لمن يشاء.

أسباب الفتور
ويشير د. محمد عباس، أستاذ الدعوة والثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر إلى أن من أسباب ظاهرة الفتور فى العبادة بعد المواسم الإيمانية التعب والإرهاق فقد يُصاب الفرد بالتعب والإعياء الشديد بعد مواسم العبادة، لأنه أرهق نفسه وكلفها ما لا تطيق، ولم يُحسن التخطيط أو التدرج فى أداء العبادات، فيقع فى الإفراط، فيثقل عليه الاستمرار.

وقد وضع النبى علاجًا ناجعًا لهذا السبب، فقال: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يملّ حتى تملّوا». ودعا  إلى التوازن والاعتدال، فقال: «لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس مني، وكذلك من أسباب الفتور الميل إلى الراحة والركون إلى الكسل؛ فالنفس البشرية تملّ من كثرة التكليف، وتميل بطبعها إلى الراحة، وهذا داءٌ خطير، إذ من علامات قبول الطاعة أن تتبعها طاعة.

وقد نصح النبى  عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قائلًا: «يا عبد الله، لا تكن مثل فلان، كان يقوم الليل ثم تركه. ويؤكد أن من أخطر أسباب الفتور الرجوع إلى الذنوب بعد مواسم الطاعة، مما يؤدى إلى قسوة القلب وعدم التأثر بالمواعظ. قال تعالى: «كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.» والعلاج هو التوبة النصوح وترك المعاصى والابتعاد عنها، وعدم المجاهرة بها.

ويدعو لعدم الغلوّ فى المباحات؛ بعد مواسم الطاعة  فالاعتدال فى المأكل والمشرب والملبس هو سر النجاح والثبات على الطاعة. ويطالب بعدم صحبة ضعيفى الهمّة؛ فمن الناس من يترك العبادة تدريجيًّا بسبب صحبة ذوى الهمم الدنيئة، فيتأثر بهم، وتخور عزيمته، ويصيبه الفتور. والعلاج: مصاحبة الأخيار وأصحاب الهمم العالية، والحرص على بيئة إيمانية محفزة.

الثبات على الطاعة
ويوضح د. فودة السيد، إمام وخطيب مسجد الإمام الشافعى، كيفية مواظبة المسلم على فعل الطاعات بعد انتهاء هذه المواسم، دون أن يتكاسل أو يتهاون؟ أول ما ينبغى إدراكه أن عبادة الله ليست مرتبطة بزمن معين، بل هى مستمرة إلى أن نلقى الله، كما قال تعالى: ﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين﴾، أى حتى الموت. فالمسلم الصادق هو من يستمر على الطاعة فى الرخاء كما فى الشدة، فى الحج وما بعده، فى العيد وما بعده.

وللثبات على الطاعة وسائل كثيرة، أولها الصحبة الصالحة، فالأصدقاء الذين يذكرونك بالله، ويشجعونك على الخير، هم معين قوى على الثبات والاستمرار. ثانيًا: تنظيم الوقت، فالفراغ باب للغفلة، ومن ملأ وقته بما ينفع، قلّت عليه فرص التراخى والكسل.

ومن الوسائل المهمة: الاستمرار على الأعمال القليلة الدائمة، فالمداومة على ركعات قليلة من قيام الليل، أو ورد من القرآن يومي، أو صدقة بسيطة، خير من الانقطاع التام ثم العودة فى المواسم فقط. كما يجب على المسلم أن يجدد النية دومًا، ويستحضر فضل الطاعات، وثمارها فى الدنيا والآخرة. فحين يعلم أن الله يحب عبده الذى يتقرب إليه بالنوافل، وأنه يصبح سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، فإن هذا يحفزه للاستمرار.
حسام بركات