قضية ورأى

الذكاء الاصطناعى وصناعة الإعلانات

د. محمد شومان
د. محمد شومان


الذكاء الاصطناعى يقول وداعاً لوكالات الإعلان.. ويسمح للأفراد والشركات بتصميم وإطلاق حملات إعلانية بأسعار زهيدة 
 

فى العقد الأول من القرن الحادى والعشرين، ومع تنامى نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى، وصف السير مارتن سوريل، الذى بنى WPP لتصبح أكبر مجموعة إعلانية فى العالم ، شركتى ميتا وجوجل بـ»الأصدقاء الأعداء» - ما يعنى أنه يمكن اعتبارهما شريكين وتهديدًا تنافسيًا لوكالات الإعلان ، ويبدو أن الشراكة انتهت وبدأت المواجهة وبقوة !! وليس مع ميتا فقط  ،وإنما مع اخواتها عمالقة الإنترنت والتواصل الاجتماعى جوجل، ومايكروسوفت، وتويتر، ولينكدإن، وياهو وامازون وتيك توك .

يوفر هؤلاء العمالقة برامج وتطبيقات للذكاء الاصطناعى التوليدى ،والتصميم البصرى التوليدى (DALL•E، أدوات فيديو) بأسعار رخيصة ،  تسمح للأشخاص والشركات الصغيرة بتصميم وإطلاق حملات اعلانية، وانتاج محتوى مؤثر، يعتمد على صور مقنعة، ومقاطع فيديو متقنة ، يتم إنشاؤها بواسطة الخوارزميات ، والأخيرة تساعد فى تحديد خصائص الجمهور المستهدف مثل العمر والنوع والعادات والتفضيلات ، وبالتالى تقدم السلع أو الخدمات المراد بيعها للجمهور بطرق فعالة ، وفى الأوقات التى يستخدمون فيها وسائل التواصل الاجتماعى ، أكثر من ذلك فإن هذه الخوارزميات تستطيع تحليل البيانات الضخمة لملايين المستخدمين ، وتوقع مشاعرهم وسلوكهم الاستهلاكى الحالى والمستقبلى ، أو ما يعرف بالنمذجة التنبؤية، وهى إحدى ميزات تقنية الذكاء الاصطناعى التى تستخدم خوارزميات التعلم الآلى للتنبؤ بالنتائج والاتجاهات المستقبلية ، وبالتالى تعدل من محتوى الإعلان وشكله بحسب ظروف كل مستخدم واحتياجاته الفعلية أو المتوقعة . 

توفر هذه العملية الوقت والجهد والمال لأصحاب الأعمال والمعلنين وتحقق كما تعلن دائماً جوجل وفيسبوك ديمقراطية الإعلان من خلال تمكين ملايين الشركات الصغيرة التى لا تملك الموارد المالية الكافية لإدارة حملات إعلانية تليفزيونية، أو توظيف وكالة إعلانية لإدارة الحملات ، فعلى مدى أكثر من عقد من الزمان، نجحت الشركتان فى بناء أدوات تقنية للناشرين ومشترى الإعلانات، وأتمتة المهام المتكررة وتعزيز تجارب الواقع الافتراضى والواقع المعزز ، مما ساعدهما على الهيمنة على الإنترنت، وقد استحوذت شركات التكنولوجيا الكبرى على ما يقرب من ثلثى الـ 45 مليار جنيه إسترلينى التى أنفقها المعلنون فى المملكة المتحدة هذا العام، ويسعى مارك زوكربيرج إلى تولى مسؤولية صناعة الإعلانات أيضًا، حيث أعلن الأسبوع الماضى  أن أدوات صناعة الإعلان المعتمد على الذكاء الاصطناعى ستُطرح بحلول نهاية العام المقبل، وأضاف أن هذه الإمكانية فى مقابلة ستعيد تعريف صناعة الإعلان، والتى لا تحتاج إلى أى إبداع، ولا تحتاج إلى أى استهداف، ولا تحتاج إلى أى قياس، إلا القدرة على قراءة النتائج التى نخرج بها ، يقصد طبعا نتائج تحليل البيانات الضخمة التى ستخرج بها الخوارزميات وترصد وتتوقع كل شيء عن المستهلكين ورغباتهم ومشتراوتهم ، لكن ما سكت عنه زوكربيرج هو أن شركته وعمالقة التكنولوجيا سيحصلون على نصيب الأسد من كعكة الإنفاق الإعلانى العالمى ، والتى تقدر بحوالى أكثر من 900 مليار دولار سنويا .
هكذا يحاصر الذكاء الاصطناعى التوليدى صناعة الإعلان فى العالم ، مما يقلص من حجم وكالات الإعلان ويلغى آلاف الوظائف ، ويخنق الإبداع فى صناعة كانت تعتبر أقرب إلى الفن ،مما قد يؤثر على الأصالة والابتكار فى الحملات الإعلانية ويجعلها نسخا متشابهة تخلو من الروح الإنسانية والتنوع الخلاق ، إضافة إلى إثارة مخاوف أخلاقية بشأن مصداقية وأصالة تصميمات الإعلانات، وإمكانية استخدام بعض الشركات والجهات لتقنيات الذكاء الاصطناعى فى إنتاج إعلانات مضللة ومزيفة بشكل متقن ، قد تستعمل فى الانتخابات بين الأحزاب المتنافسة أو فى الحروب الدعائية بين الدول  ، وبحسب التقديرات ستنخفض أعداد مولدى الأفكار ومؤلفى نصوص الإعلانات ، والرسامين وصممى الجرافيك  ، والمصورين ، ومحررى الفيديوهات ، ومديرى الإنتاج ، ومديرى الحملات الإعلانية ، ومندوبى الإعلانات حيث ستكون العلاقة مباشرة بين المعلن والجمهور ، وسيقوم المعلن بانتاج إعلانه والتخطيط لحملته ومتابعتها وادارتها من خلال وسائل التواصل الاجتماعى مباشرة دون وسيط. 

لكن كل هذه التحولات لاتعنى اختفاء العناصر البشرية تماما من صناعة الإعلان ، وإنما تقليص أعداد العاملين فى مجالات صناعة الإعلان ،ويتوقع تقرير المنتدى الاقتصادى العالمى  إلى أن الذكاء الاصطناعى والأتمتة قد يؤديا إلى تحويل 86% من الأعمال بحلول عام 2030 ، مع توقعات بخلق وظائف جديدة تتطلب مهارات بشرية مختلفة، مثل التخطيط الاستراتيجى للحملات الإعلانية ومراقبة جودة الإعلانات، وضمان عدم وقوعها فى أخطاء أو تحيزات عنصرية، وإكسابها طابعاً إنسانياً .