ربما يجد القارئ الكريم بعض الاستغراب داخل كلمات عنوان المقال، لكنه بمجرد أن يستطرد في قراءة المحتوى، وبعد لحظات قليلة، سيدرك ببساطة "كيف كانت الرحلة من جامعة الفيوم إلى وادي السيليكون!"
في البداية ماهو وادي السيلكون، هذا الذي يعتبر رمزا للإلهام، بل! وقد حمل اسمه أحد الأفلام الأمريكية السينمائية الشهيرة؟
فوادي السيلكون (Silicon Valley) هو ذا الوادي الواقع شمال كاليفورنيا، بالولايات المتحدة الأمريكية، الذي ظهرت تسميته بهذا الاسم عام 1971 في سلسلة مقالات للكاتب دون هويلفر في إحدى المجلات المتخصصة في الإلكترونيات، في حين ارتبطت تسمية الوادي باحتوائه على عدة صناعات مرتبطة بمادة السليكون، التي تستخدم في صناعة الشرائح الإلكترونية التي تدخل في مختلف الصناعات التكنولوجية، التي اختـُرع منها الأميركي ويليام شكلي "الترانستور" في نهاية أربعينيات القرن العشرين، حتى أصبحت عبارة "وادي السيليكون" تستخدم غالبا للكناية عن التجمع الضخم لشركات التكنولوجيا المتقدمة في هذه المنطقة.
ويمتد على طول وادي وخليج سان فرانسيسكو، كما إنه يشرف على عدة مدن، مثل: مدينة سان خوسيه، أكبر مدينة في المنطقة، التي تمثل عاصمة وادي السيلكون، كما تقع مدينة سان فرانسيسكو في شمال الوادي، وتقع مدينة ماونتين فيو، التي اصبحت موطنا للعديد من الشركات التكنولوجية الرائدة في قلب الوادي، فضلا عن إن مدينة كوبريتونو تقع في جنوب الوادي وقد أصبحت هي الأخرى موطنا للعديد من الشركات الناشئة.
وهنا لابد أن ننظر للخصائص الجغرافية لوادي السيلكون، فقد منحته العديد من الميزات، لعل اهمها هو اقترابه من وادي سان فرانسيسكو (الذي يشكل جزءًا من خليج سان فرانسيسكو.)، كما ساهمت جبال سانتا كروز، التي تقع غرب وادي السيلكون، التي تمثل جزءًا من سلسلة جبال ساحل كاليفورنيا في صباغة الشخصيتة الجغرافية لتلك المنطقة.
وقد يتساءل القارئ الكريم، ماذا بعد هذه المقدمة الجغرافية؟
لتكون الإجابة اللحظية هي "كيف تولد مقومات النجاح"، وكيف صار وادي السيليكون مركزًا للتكنولوجيا والابتكار، بل! وكيف أصبح يضم العديد من الشركات التكنولوجية الرائدة في مجالات التكنولوجيا والبرمجيات والإنترنت والاتصالات، كما أصبح مركزا للعديد من الجامعات والمراكز البحثية.
وبعد مهمة تدريبية قصيرة، كنتُ أحد أعضاءها، ممن اختارهم قطاع خدمة المجتمع وتنمية البيئة بجامعة الفيوم للمشاركة مع أقرانهم، من ممثلي جامعتي المنيا وأسيوط، ضمن المبادرة الرئاسية "تحالف وتنمية" استطعتُ أن أتوصل إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، والتي تأتي ضمن أهم مقومات نجاح أي مبادرة لريادة الأعمال والابتكار.
التساؤل كيف صار وادي السيليكون هكذا!
والحقيقة هي إن بدايات النجاحات دوما ما تكون الاحساس بالمشكلات والتعاطف معها، من ثم قبول التحدي والولوج في دروب المعاناة، وصولا للغابات. هكذا هو التميز.
ولعل أحد أهم عوامل نجاحات وادي السيلكون هو إنه كان دافعا قويا للإلهام والابتكار، الذي كَمُن خلفه تجمع المواهب، وثقافة المخاطرة، وانتشار روح ريادة الأعمال، كما إن هناك دورا بارزا للمنطقة الجغرافية والنظام البيئي الداعم لظهور الشركات الناشئة، التي سرعان ما تحولت إلى كيانات استثمارية عظمى، فكان وادي السيليكون مثالا ناجحا للمنطقة والبيئة المناسبة للابتكار، الذي صار بمثابة حاضنة دافئة للمواهب، وثقافة المخاطرة، وروح ريادة الأعمال والابتكار.
حقا فقد كانت جولة تدريبة تفاعلية رائعة نظمتها شركة "أثر" بمدينة المنيا، بدعم ورعاية من أورانج الهولندية ومركز دعم الابتكار بالجامعة الأمريكية، التي تضمنت العديد من الدراسات التفصيلية ودراسات الحالة عن ريادة الأعمال والابتكار، وكيف نمت بعض الأفكار الصغيرة، التي شغلت بال بعض الشباب، لتتبناها جهات اكبر، فتصير شركات ناشئة، من ثم شركات عملاقة. وهو نفس السيناريو، الذي مثل حاضنة اعمال متنامية في وادي السيليكون.
ومما لاشك فيه إن تجربة ريادة الأعمال والابتكار، التي تتبناها وزارة التعليم العالي، مع فكرة بناء التحالفات بين الشركات وبيوت الخبرة مع الجامعات في الإقليم الواحد، تعد بمثابة استنساخ فعلي لفكرة وادي السيليكون.
فحينما تنصهر افكار الأساتذة والعلماء في جامعات الإقليم الواحد، لتمتزج بالخبرة العملية لأصحاب التجارب الحقيقية، يكون بإمكانها أن تقدم حلولا تكاملية مبتكرة لأبرز قضايا السوق، كما تكون قادرة على إقناع المستثمرين (راس المال) على تمويل المشروعات لحل هذه المشكلات.
من ناحية أخرى، فإن تنظيم مثل هذه الملتقيات التدريبية، لتكون موزعة على المدن داخل منطقة التحالف، من شأنه أن يكون دافعا قويا لتوليد الأفكار والابتكارات، التي تجد طريقها كموضوعات لريادة الأعمال والشركات الناشئة، بعد تكاملها بين أطراف التحالف.
وختاما..كم كانت ممتعة رحلتي من جامعة الفيوم إلى وادي السيلكون!
حفظ الله مصر.
كاتب المقال : أستاذ نظم المعلومات الجغرافية وخبير التنمية المستدامة والإسكان بهيئة اليونسكو

علي عبد الحفيظ يكتب: الأزهر الشريف ووأد الفتنة
تامر عادل يكتب: كأس العالم من عاصمة مصر الجديدة
فى الاحتفال بيوم إفريقيا التمسك بالتنمية المستدامة







