لم تعد التغيرات المناخية خطرا بعيدا يهدد فقط المناطق الجافة والهشة مناخياً والدول الجزرية، بل أصبحت واقعا يفرض نفسه بقوة على مصر، مغيراً ملامح فصولها، ومطلقاً قدرات باحثيها الإبداعية نحو ابتكار حلول زراعية جديدة.
وفى السنوات الأخيرة، شهدت مصر تقلبات مناخية غير مسبوقة، من ارتفاع شديد فى درجات الحرارة إلى موجات برد مفاجئة، ومن تأخر فى فصول الصيف إلى مواسم زراعية غير مستقرة، وهذه التغيرات أثرت بشكل مباشر على خريطة المحاصيل، حيث بات من الصعب الاعتماد على الجداول والخبرات الزراعية التقليدية، مما أجبر المزارعين على تغيير مواعيد الزراعة والحصاد، وأثر على إنتاجية الفدان.
ويطلق الخبراء على هذا النمط من التأثير مصطلح « تغير المناخ الصامت »، وهو تغير تدريجى وخفى فى أنماط الطقس لا يلفت الانتباه فى لحظته، لكنه يُحدث اضطراباً تراكمياً فى المنظومة الزراعية ككل.
وفى الوقت الذى تتعرض فيه دول كفرنسا وهولندا والصين والبرازيل واستراليا وغيرها لخسائر زراعية ضخمة جراء فيضانات وعواصف ثلجية، تجد مصر نفسها أمام تحدٍ من نوع آخر، وهو تغيرات بطيئة خفية ولكن مؤثرة، مثل تداخل الفصول، والاضطرابات الجوية غير الموسمية، وتقلص أو زيادة فترة نضج المحاصيل.
◄ حلول علمية وزراعة ذكية
لم تقف مؤسسات الدولة المصرية مكتوفة الأيدي، بل تبنت استراتيجية واضحة للتكيف مع هذه التحديات المناخية، فقد تم استنباط أصناف زراعية مبكرة النضج، قليلة الاحتياج المائي، وأكثر قدرة على التكيف مع الإجهادات المناخية، فمثلاً، تم تقصير دورة زراعة القمح من 180 إلى 150 يوما دون التأثير على الإنتاجية، بينما تم تقليص دورة الأرز إلى 120 يوما بدلا من 160.
وهذه الجهود ليست عشوائية، بل مدروسة، وتتم بالتنسيق بين مركز معلومات تغير المناخ التابع لمركز البحوث الزراعية، والجهات البحثية المختلفة، حيث تُصدر توصيات مناخية مستمرة للمزارعين، وتعمل على نشر الزراعة الذكية رقميا، وتحسين نظم الإنذار المبكر، لتوجيه المزارعين نحو التوقيت والممارسات الأفضل للتعامل مع الظروف المتغيرة.
وخلال أزمات كبرى مثل جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية، كانت لهذه السياسات الزراعية المرنة نتائج ملموسة، حيث وفرت لمصر احتياطيا استراتيجيا من القمح، ساعدها فى تجاوز موجات الاضطراب فى سلاسل الإمداد العالمية.

■ د. محمد علي فهيم، رئيس مركز معلومات تغير المناخ، مركز البحوث الزراعية، وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي
◄ قضية مصير مشترك
وفى السياق العالمي، تعد التغيرات المناخية من أكبر التحديات التى تواجه البشرية، فمنذ الثورة الصناعية، أدت الأنشطة البشرية إلى إطلاق أكثر من 50 مليار طن ثانى أكسيد الكربون سنويا، ما أدى إلى ظاهرة الاحتباس الحرارى وتغير ملامح المناخ العالمي. وقد حاولت مؤتمرات المناخ، بدءا من قمة الأرض فى ريو دى جانيرو عام 1992 وحتى «كوب 28» فى الإمارات، إيجاد حلول جماعية لهذا التهديد، وكان من أبرز هذه المحطات اتفاق باريس للمناخ 2015، حيث التزمت الدول بخفض الانبعاثات الكربونية بشكل تدريجى للحفاظ على درجة حرارة الأرض دون 1.5 درجة مئوية فوق معدلات ما قبل الثورة الصناعية.
وجاءت قمة شرم الشيخ (كوب 27) لتضيف بعدا إنسانيا عبر إنشاء صندوق «الخسائر والأضرار»، وهو أول اعتراف دولى بحق الدول النامية، ومنها مصر، فى الحصول على دعم مادى لمواجهة تبعات تغير المناخ رغم عدم مسئوليتها عن الجزء الأكبر من الانبعاثات العالمية.
◄ نحو خريطة زراعية جديدة
وبات من الضرورى اليوم إعادة رسم خريطة زراعية مصرية تتوافق مع المتغيرات المناخية، تقوم على المحاصيل الذكية مناخيا، والتقنيات الزراعية الحديثة، وإدارة الموارد المائية بكفاءة، فالمعركة المناخية لن تُكسب بالشعارات، بل بالتكنولوجيا، والمعرفة، والتعاون المحلى والدولي.
وفى هذا الإطار، تتعاون مصر مع منظمات دولية مثل منظمة الأغذية والزراعة والصندوق الدولى للتنمية الزراعية لتطوير أنظمة زراعية مرنة ومستدامة، تأخذ بعين الاعتبار سيناريوهات التغير المناخى حتى عام 2050.
مهرجان القطن يفتح أبوابه الشهر المقبل.. ورحمى: تسهيلات للشركات الصغيرة
الحكومة تقود قاطرة التحول نحو السيارات الكهربائية
السيارات الاقتصادية تتصدر.. والأوروبية تغيب عن قائمة المبيعات







