«سوهاج» ..حكايات الجنوب على ضفاف النيل

واجهة المتحف
واجهة المتحف


 تتنفس الأرض حكاياها عند ضفاف النيل الشرقى، حيث يقف متحف سوهاج القومى كأنَّه شاهد عتيق على عصورٍ من المجد والروح، يروى التاريخ دون أن ينطق، وتتناثر داخله آلاف القطع الأثرية كأنها شظايا من زمن مضى، كلٌّ منها يحمل بصمة ملك، أو أثر صلاة، أو لمسة صانع عاش قبل آلاف السنين، ليس مجرد متحف، بل مرآة لهوية محافظةٍ تتكئ على إرثٍ فرعونى وقبطى وإسلامى، ونافذة تطل منها سوهاج على العالم بكل فخر.

يحكى اللواء الدكتور عبد الفتاح سراج، محافظ سوهاج، عن هذا الكنز قائلاً: «المتحف ليس مجرد مبنى، بل هو الواجهة الحضارية لمحافظتنا، يحوى كنوزًا تحكى تاريخاً طويلاً من العظمة، بدءًا من الفراعنة وحتى العصر الإسلامي، ويقع فى أجمل بقعة على الضفة الشرقية للنهر، مقابل ديوان عام المحافظة، وكأنما هو القلب فى الجسد.»

اقرأ أيضًا | محافظ سوهاج يستقبل نجيب ساويرس لمناقشة مشروع «دار وسلامة»



فكرة إنشاء المتحف ولدت عام 1993، وظلت تكبر وتتشكل حتى افتتحه الرئيس عبد الفتاح السيسى فى عام 2018، ليصبح واحدًا من أكبر المتاحف الإقليمية بمصر، ليس بمساحته التى تبلغ 8500 متر مربع فقط، بل بقيمته الثقافية ومحتواه الأثرى الرفيع، صُمّم المتحف على هيئة معبد ستى الأول بأبيدوس، فى انسجام مدهش بين روح المعمار القديم وسمات الحداثة، وأضيف له مرسى سياحى على النيل، ليكون نقطة استقبال للبواخر التى تقل السائحين من شتى البقاع.

يضم المتحف ست قاعات عرض رئيسية، تبدأ أولها بسرد عن الملوك والنبلاء، حيث تتكرر أسماء الحاكم على التماثيل، الأختام، والبطاقات العاجية، وفى قاعة أخرى، تحتفى العروض بدور المرأة فى الأسرة الصعيدية، جمالها، زينتها، وحنوها، بينما تأخذنا قاعة المطبخ المصرى القديم إلى عالم من الروائح والطناجر والأدوات، التى تحفظ الحبوب وتخبز الأرغفة، وكأنها لا تزال على قيد الحياة.
أما التحف، فتتنوع وتتشكل لتروى لنا الحكايات فى كل زاوية، من بين أروقتها يقف تمثال ضخم للإلهة «سخمت»، إلهة الحرب، شامخة بطولها الذى يبلغ مترين، وإلى جانبها يقف «نخت مين»، حاكم أخميم، فى صلابةٍ من الجرانيت، وللملك رمسيس الثانى حضور مهيب فى تمثال وردى اللون.

بينما تتجلى ملامح الفخر فى جزء من مقبرة وني، القائد الأعلى للجيش فى الأسرة السادسة.

ومن الكنوز التى استقرت بين جدران المتحف أيضًا، مفتاح دير الأنبا شنودة - الدير الأبيض-ومصحف عثمانى مذهّب، يلمع تحت أضواء العرض كأنه يهمس بأدعية الزمن البعيد.

ويستمر المتحف فى إبهار زائريه بمعرض خاص احتضنه مؤخرًا، يضم مقتنيات ونقوش مقبرة «ونى الأكبر»، أحد أعلام عصر الأسرة السادسة وحاكم الصعيد، ويقول المحافظ عن هذا الحدث: «افتتاح المعرض بالتعاون مع جامعة ميشيغان أضاف بعدًا جديدًا للمتحف، وخطوة مهمة على طريق تنشيط السياحة ووضع سوهاج على الخريطة السياحية العالمية.»

المعرض الذى افتتح برعاية المجلس الأعلى للآثار، أعاد الحياة لقطع أثرية طالما ظلت حبيسة المخازن، بعد أن اكتشفها أوجست مارييت فى 1858، ونُقلت فى رحلات طويلة حتى عادت أخيرًا لتستقر حيث تنتمى، فى قلب سوهاج.

وهكذا، لا يُعد متحف سوهاج القومى مجرد قاعات وقطع أثرية، بل هو رحلة فى الزمن، بوابة مشرعة على حضارات متعاقبة، ومرآة تعكس وجه مصر العريق.