صدمة الساعة البيولوجية

تغيير الوقت يضرب مركز القيادة فى المخ.. والإصلاح يستغرق 10 أيام

 الساعة البيولوجية
الساعة البيولوجية


أنت على موعد بعد أيام قليلة مع التوقيت الصيفي، وتقديم ساعتك 60 دقيقة كاملة، لن تتأقلم مع المسألة فى البداية، وربما يتسبب تغيير الوقت فى ضرب مواعيد حضورك وانصرافك فى العمل، نتيجة للساعة البيولوجية التى ستحاول التمرد على الوضع الجديد، مما يتطلب أن تقنعها بالتعود، بالنوم مبكراً لمدة ساعة، حتى تستيقظ فى الموعد المناسب، فما الساعة البيولوجية وكيف تؤثر على الإنسان؟.. وكيف نتحكم فيها؟
أسئلة طرحناها على الخبراء فى هذا التحقيق من أجل التعافى مبكراً من «اللخبطة» فى النوم، وما يتبع ذلك من مشاكل نفسية تؤثر على كل فرد من أفراد الأسرة.

يقول أحمد زكريا «موظف»: إن تغيير التوقيت وتقديمه ساعة يسبب له «لخبطة» شديدة لمدة لا تقل عن أسبوعين، وبعدها تزول الصدمة ويبدأ فى التعود على التوقيت الجديد، أما هشام جمال «طالب بكلية الطب» فيقول: إنه يواجه صعوبة لعدة أيام فى التأقلم مع التوقيت، لكن رغم ذلك فهو يفضل التوقيت الصيفى عن الشتوى لأن نهاره طويل، مما يمنحه وقتاً أطول للمذاكرة وقضاء احتياجاته قبل الليل، بينما ترى منة محمود «ربة منزل» أنه من الأفضل تثبيت التوقيت العادى، لأن المرأة هى الأكثر تأثراً بهذه التغييرات، وأنها تصاب بأرق لأيام طويلة، مما يسبب لها صعوبة فى ممارسة مهامها الضخمة أثناء النهار.
وتعترف د.بسمة سليم أستاذ علم النفس الإكلينيكى بأن تغيير التوقيت الصيفى يؤثر بالسلب على الساعة البيولوجية، مما يؤثر بطبيعة الحال على الأسرة بالكامل، بينما الخبر السار أن الصغار لديهم قدرة أعلى من الكبار فى التكيف مع تغيير التوقيت، خاصة إذا قام الأهل بإقناعهم بالتدريج، خاصة قبل تغيير الساعة بعدة أيام بالنوم مبكراً نصف ساعة على سبيل المثال والاستيقاظ أيضاً مبكراً نصف ساعة عن الموعد الذى اعتادوا عليه فى شهور الشتاء، للحفاظ على انتباههم وتركيزهم خلال اليوم الدراسى خاصة وأننا فى الأيام القليلة التى تسبق امتحانات نهاية العام الدراسى وهم فى حاجة للاحتفاظ بكامل طاقتهم وتركيزهم.
وتنصح د.بسمة الأسرة بأن تستعين بالتمارين الرياضية، فالجسم يهدأ كثيراً بعد ممارستها، لأنه يفرز هرمون الأندروفين الذى يعمل كمهدئ طبيعى للإنسان ويُطلق عليه «هرمون السعادة»، حتى إنها تنصح أيضاً من يعانون من الاكتئاب بضرورة ممارسة التمارين الرياضية لتحسين حالتهم النفسية.
وتقول: «الرياضة تساعد على النوم بشكل أسرع، بالإضافة إلى تطبيق تقسيم الوجبات، وضبط مواعيد الأكل مع التوقيتات الجديدة، وقبل التوقيت الصيفى نقوم بتقديم موعد النوم، فإذا كان فى الثامنة يصبح فى السابعة لحين حدوث التغيير.. وتصبح الساعة السابعة هى نفسها الثامنة التى تعودنا عليها، حتى لا يتفاجأ الشخص بتغيير المواعيد ويحدث صدمة للساعة البيولوجية، مما يسبب الإصابة بالأرق واضطراب النوم وغيرها من الأعراض التى تحدث نتيجة التغيير للتوقيت الصيفي».
وتشرح قائلة: «يحتاج الفرد لفترة ما بين أسبوع لعشرة أيام حتى يعتاد المخ وتتأقلم الساعة البيولوجية الخاصة به على التوقيتات الجديدة، لأن هرمون الميلاتونين الطبيعى يبدأ الجسم فى إفرازه بمجرد الاستعداد للنوم وإطفاء الأضواء والهواتف، إضافة إلى أهمية الاستعانة بالمشروبات الدافئة التى تساعد على النوم».
وأكدت على ضرورة اتباع الأم لهذا النظام فهى الشخص الأكثر معاناة داخل الأسرة، لأنها آخر فرد ينام وأول من يستيقظ فى الصباح لتبدأ ممارسة مهامها المعتادة، وإذا لم تمهد الأمر لجسمها ومخها وساعتها البيولوجية سيسبب لها تغيير التوقيت إرهاقاً شديداً قد يستمر معها لأيام طويلة حتى تعتاد عليه.
مركز القيادة
ويشير د.عبد الهادى مصباح أستاذ المناعة وزميل الأكاديمية الأمريكية للمناعة إلى أن معظم الأبحاث التى أجُريت من قبل سواء على الحشرات مثل: ذبابة الفاكهة، أوالحيوانات مثل: الفئران، أو حتى على الإنسان لاكتشاف أسرار الساعة البيولوجية، كانت تتم على المخ باعتباره مركز القيادة وهو الذى يعطى الأمر بناء على الإشارات التى ترد إليه من مستقبِلات معينة للضوء فى شبكية العين، حيث ترسل إشارتها إلى الغدة الصنوبرية من أجل التحكم فى إفراز هرمون النوم الذى نعرفه باسم «الميلاتونين»، والذى يُفرز فقط مع حلول الظلام، إلا أن المفاجأة التى أثبتتها الدراسات الأخيرة هى أن المخ ليس العضو الوحيد الذى يحمل جينات الدورة السركادية التى تتفاعل وتنسجم مع النوم والراحة بالليل، والعمل والاستيقاظ بالنهار، وأن الجينات التى تعطى الأمر بتكوين نفس أنواع البروتينات من أجل التحكم فى نظام الساعة البيولوجية تم اكتشافها فى خلايا أخرى من الجسم مثل خلايا الكلى.
ويضيف: «يتم إفراز بعض هذه البروتينات ليلاً عندما يحل الظلام، وتنخفض نسبتها بالنهار أو عند التعرض للضوء، والعكس صحيح بالنسبة للبعض الآخر، ومن هنا نصل إلى حقيقة مهمة وهي: أن الله عز وجل الذى خلق الليل والنهار، وجعل للإنسان خلال كل منهما وظيفة وأداء معينين، وخلق أيضاً جينات الليل والنهار داخل كل خلية من خلايا الجسم، لتتناسب وتتناغم مع خلق الله فى الكون، وجعل الليل لباساً والنوم سباتاً والنهار نشوراً، وصدق المولى إذ يقول «وهوالذى جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا».
«وبناء على هذه النتيجة نجد أنه ليس من الغريب أن يتأثر أداء أعضاء جسمنا الداخلية بتغيير التوقيت الصيفى واختلال النوم والأرق، أو فى حالة النوم فى ظل وجود إضاءة، أو فى حالة عدم وجود الظلام الخافت الذى يعطى الإشارة لهذه الخلايا فى الجسم لكى تكمل دورتها التى فطرها الخالق عليها، فيُصاب الإنسان بسبب الأرق وعدم انتظام النوم أو السهر لفترات طويلة، بالليل بحالات كثيرة من الأمراض النفسية مثل: الاكتئاب الموسمي، وضعف المناعة، وكثير من الأمراض النفس جسدية العديدة، وكذلك بأعراض الشيخوخة المبكرة، حتى لو نام لفتراتٍ طويلة أثناء النهار».
ويتابع: «الساعة البيولوجية داخل جسم الإنسان مضبوطة على 24 ساعة ويستتبع دورة الليل والنهار داخل أنسجة الجسم المختلفة، تغير فى درجة حرارة الجسم، وفى الهرمونات التى تؤثر على وظائف الجسم الحيوية، لكى يكون النهار للجهد والمعاش والتعب، ويكون الليل من أجل الراحة والسكينة والنوم، فمثلاً هناك دورة لهرمون الكورتيزول الذى يُفرز بواسطة الغدة الجاركلورية، وهو هرمون مهم للنشاط والحركة، وله تداخلات مهمة فى عملية التمثيل الغذائى داخل الجسم مع بقية الهرمونات الأخرى، وذلك له دخل بإفراز الأنسولين، واستهلاك السكر، وتوليد الطاقة داخل الجسم، وقد تبين من خلال الأبحاث أن هذا الهرمون يصل إلى أعلى معدل له بعد صلاة الفجر ما بين الساعة السادسة والثامنة صباحاً، وينخفض أثناء الليل ليصل إلى أقل معدلاته بعد التاسعة مساء».
ويواصل د.مصباح: «نأتى إلى هرمون آخر وهو هرمون النمو، فنجد أنه يزداد إفرازه أثناء الليل لكى يبنى خلايا الجسم المختلفة، وليستفيد الإنسان بما تناول من طعام لم يستنفد من خلال الطاقة التى يبذلها الإنسان أثناء نشاطه بالنهار، وبالتالى يعوض الجسم عن الخلايا المفقودة ويجدد نموها وحيويتها، وخاصة عند الأطفال الذين يحتاجون إلى هرمون النمو بشدة، لكى تنمو أجسادهم ويصلوا إلى مرحلة الشباب».
ويصل هذا الهرمون إلى أقصى معدلاته فى الساعة الثانية بعد منتصف الليل، ولذلك نجد أن الطفل الذى يسهر ولا ينام إلا فى ساعة متأخرة وهو يشاهد التليفزيون، ومعرض لكمية لا بأس بها من الضوء، يكون نموه أقل من الطفل الذى تعود على أن ينام مبكراً ويستيقظ مبكراً، حتى لو أكل الاثنان نفس كمية الأكل ونوعه، بالإضافة إلى أن إفراز البوتاسيوم والكالسيوم يختلف بالنهار عنه فى الليل، فيزيد أثناء النهار ويقل أثناء الليل، لكى يتناسب مع عملية الإخراج التى تصاحب الأكل والشرب أثناء النهار والحركة، وهكذا تسير وظائف الجسم الحيوية فى توافق وتناغم مع الزمن الذى خلقه الله، وحدد لنا الوظيفة التى نقوم بها فيه، وحين يحدث خلل فى هذا التناغم، فإن اضطراباً هرمونياً يحدث داخل جسم الإنسان، ويعقبه اضطراب نفسي، وقلق واكتئاب يصيب الإنسان ولا يستطيع أن يكتشف له سبباً».
نظام كامل فى المخ
أما د.باسم أيوب أستاذ المخ والأعصاب بكلية الطب جامعة القاهرة فقد لخص تعريف الساعة البيولوجية بأنها نظام كامل فى المخ يتحكم بأجزاء متصلة بأعصاب العين عند تعرضها للضوء فترة طويلة تدرك أنها فى النهار.. ومع الظلام تشعر أنها فى الليل فتضبط مواعيد النوم والاستيقاظ لدى الإنسان أى أنها المتحكمة فى إدراك النهار والليل.
وأشار إلى أن أكثر فئة مُعرضة لعدم انضباط ساعاتهم البيولوجية، خاصة مع تغيير التوقيت الصيفى هن مضيفات الطيران، فمن الممكن أن يسافرن من بلد نهاراً وبعد ساعات قليلة يهبطن فى بلد آخر ليلاً.. وبالتالى لا يمكنهن مطلقاً ضبط مواعيد النوم، ولا يمكن التحكم فيها فهى تُضبط تلقائياً نتيجة التعرض للضوء.