إنها مصر

مأساة غزة والكوميديا السوداء

كرم جبر
كرم جبر


مفارقات عبثية موجعة، عندما تبرر أمريكا وبعض الدول الغربية قتل المدنيين بـ«حق الدفاع عن النفس»، ومنظمات حقوقية تُكمم أفواه موظفيها حتى لا يتحدثوا عن جرائم الحرب، وإعلام غربى يحاول التوازن بين القاتل والضحية، وكأنهما طرفان متساويان فى المعادلة السياسية.

هناك تعاطف شعبى واسع وغضب حقيقى، يُترجم فى الشوارع وعلى وسائل التواصل فقط، لكن على المستوى الرسمى تتبنى بعض الأنظمة خطاباً بارداً أو صامتاً، إما تماهياً مع الغرب أو حرصاً على مصالحها السياسية، وهو ما يضيف طبقة أخرى من العبث.

«المأساة» فى الحقيقة المجردة والمعاناة والدمار، و«الكوميديا السوداء» فى التعتيم الإعلامى على المذابح والتصفية الجسدية، فى عالم يجعل الظلم يبدو منطقياً، ويجعل الضحية بحاجة لأن يثبت «إنسانيته» أولاً قبل أن يُعترف به كضحية.

لا سبيل لمواجهة المأساة إلا بإحياء الجهود العربية وتقود الجامعة العربية حملة كبرى لمناشدة أو مطالبة الدول التى تضغط عليها أمريكا وإسرائيل لقبول تهجير الفلسطينيين، استغلالا للأزمات الاقتصادية فى هذه الدول وإغرائهم بالأموال.

البيانات وحدها لا تكفى لدعم القضية الفلسطينية، إذا لم تقترن بإعادة الجهود الحثيثة لدى المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن ،والضغط على الدول الكبرى لوقف دعمها للسياسات التوسعية أو التهجير القسرى.

وكسر دوائر الصمت الدولى تتطلب استمرار توثيق الانتهاكات الإسرائيلية وتقديم مجرمى الحرب إلى محكمة الجنايات الدولية ،وإثبات ان التهجير القسرى يمثل جرائم حرب، ودعم المنظمات الحقوقية الفلسطينية والدولية فى رفع قضايا ضد التهجير والاستيطان.

بمقتضى أى قانون أو شريعة يمكن أن ينتزع سكان غزة من بيوتهم وشوارعهم ومساجدهم وكنائسهم، ومن ذكرياتهم الجميلة فى وطنهم ويذهبون إلى الشتات، وكأن غزة قطعة أرض ليس لها أصحاب، وتقدم هدية لمن يفعل بها ما يشاء.

أخشى أن ييأس الفلسطينيون من الحصار ويضعف إصرارهم على عدم ترك غزة، فلا يكون أمامهم سوى الهروب من جهنم بحثا عن الحياة فى أى مكان آخر، شعب يودع شهداءه بالدعاء والهتاف والصبر والإيمان بالله، ويصر على عدم الاستسلام.. ولكن إلى متى؟

يجب أن نجاهر بالسؤال :هل هذه هى أمريكا التى تروج نفسها كرمز للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، أمريكا «تمثال الحرية» الذى قُدم كهدية من فرنسا عام ١٨٨٦ ليكون علامة على القيم الإنسانية النبيلة.

قوات عسكرية مدججة بأسلحة أمريكية، تقتحم مخيمات اللاجئين فى غزة، وتضرب الفلسطينيين بالبنادق الآلية والصواعق، لحشرهم فى طائرات نقل ثقيلة إلى البلدان الإفريقية الفقيرة، فى مناطق صحراوية غير مأهولة.

نقطة سوداء وعار لن يمحوه الزمن،وسجلات مسطرة بدموع الأطفال والعجائز وذعرهم، وصرخات الأمهات ،ودعوات المظلومين التى يهتز لها عرش السماء، فليست هناك آلام فى الحياة تفوق التهجير القسرى وترك الأهل والجيران والأوطان.