سياسة كاريوكا «١-٢»

تحية كاريوكا
تحية كاريوكا


شاهدتها تلاحق الفنان وحيد سيف فى كواليس مسرح ميامى، كان يقفز كما «الكنجر» هربًا من ركلاتها، أنقذه منها فايز حلاوة، وقف وحيد فى ساحة انتظار السيارات التى تقع خلف المسرح ليلتقط أنفاسه غير مصدق أنه مازال بلا إصابات , !!فى مساء اليوم التالى، شاهدتها تحمل صينية «بسبوسة « توزع منها على الممثلين، كان وحيد قد أغلق غرفته على نفسه ولكنها دفعت الباب ودخلت عليه تحتضنه  فى حنو الأخت الكبيرة، وهى تلقنه على طريقتها درسا فى الأخلاق، وأقسمت أنها لن ترحمه لو فعل ما فعله مرة أخرى ولن ينقذه منها كائن من كان، بعدها أخذت تدس فى فمه  قطعة البسبوسة رغم أنفه !!

تلك هى الفنانة القديرة تحية كاريوكا التى تشكل فى مجمل حياتها أسطورة درامية غير عادية، قفزت خلالها من السفح إلى القمة، بفضل موهبتها وذكائها الفطرى، وحضورها الطاغى، وإرادتها  الفولاذية، وجرأتها التى جعلتها  تدخل عش الدبابير وتتعرض للسجن والاعتقال، والصدام بالسلطة فى فترة الحكم الملكى، وفترة حكم ضباط ثورة 23 يوليو 1952، ولكن ماذا فعل وحيد سيف لكى تفعل معه ما فعلت ؟

اقرأ أيضًا  | طلبات كمال الشناوى المرفوضة فى «العائلة والناس»

كان شهر رمضان على الأبواب فأعطته مبلغا من المال تخصصه لشراء «ياميش» رمضان لتوزيعه على أفراد فرقتها والأصدقاء والأقارب والجيران، وبعد أسبوع تذكرت أن وحيد لم يحضر المطلوب عند عودته من الإسكندرية، وعلمت أنه خسر المبلغ فى لعب الورق مع فايز حلاوة وفاروق نجيب وسيف الله مختار، فجن جنونها وكادت أن تفترسه، إذ لم يكن من السهل أن يضحك عليها أحد، وكان لتحية الفضل فى إقلاع وحيد سيف عن لعب الورق طوال فترة عمله فى فرقتها .

اسمها الحقيقى بدوية محمد كريم، من مواليد 1919 بمدينة الإسماعيلية، والدها محمد النيدانى من أصل خليجى، تزوج سبع نساء كانت آخرهن والدة تحية، تركها والدها عند جدتها بعد طلاق والدتها،  لكن أخاها أرادها أن تعمل عنده لخدمة زوجته المالطية، فهربت منه وركبت القطارالمتوجه للقاهرة وهى فى الخامسة عشرة من عمرها، وتطوع بعض الركاب بدفع ثمن التذكرة التى لم تكن تملك من ثمنها شيئا، نزلت من القطار وتوجهت لبيت الراقصة سعاد محاسن التى عملت معها فى أحد الملاهى بمبلغ ثلاثين قرشًا فى الليلة، شاهدها بعدها الفنان بشارة واكيم فأخذها من يدها إلى صالة بديعة مصابنى، يومها شاهدها عبقرى الكوميديا نجيب الريحانى وهى تتمرد على المدرب الذى كلفته بديعة باختبارها وتدريبها، معلنة أن ما يلقنه لها من أصول وقواعد يؤدى إلى ابتذال الراقصة بما تؤديه من حركات تتنافى مع هذا الفن الجميل، لم يصب الريحانى بالدهشة التى أصابت بديعة مؤكدا أن هذه الفتاة لا تريد احتراف الرقص بحثا عن لقمة العيش والتغلب على الغربة التى وجدت نفسها فيها، إنما هى فتاة تتسم بالصلابة والذكاء والشخصية التى ستجعل لها مكانة كبيرة، جاءت تحية للقاهرة وهى لا تعرف إلا مبادئ «فك الخط « لكنها علمت نفسها بنفسها، وأصبحت تتحدث الفرنسية والإنجليزية بطلاقة ! .

صدقت توقعات الريحانى عندما اصطحبت معها موسيقيا من الفرقة لمشاهدة فيلم لجنجر روجرز كان يؤدى به رقصة برازيلية تدعى «كاريوكا « وطلبت منه أن يكتب لها «النوتة الموسيقية « للرقصة ولكنه أعلن عن فشله بعد أن أنفقت عليه لمدة عشرة أيام، فتلقى منها ما فيه النصيب من التقريع والتوبيخ، ولم تصب تحية  باليأس والإحباط، قابلت مدير الشركة الأمريكية التى تسوق الفيلم فى مصر، وطلبت منه أن يوفر لها النوتة الموسيقية، لأنها سوف ترقص عليها وهذا فى حد ذاته  دعاية للفيلم، وجاءت النوتة الموسيقية من هوليوود وبدأت تتدرب عليها فأبدعت أكثر من «جنجر روجرز « نفسه، وأضافت الصحافة لها لقب «كاريوكا « بعد أن أطلقت عليه بديعة مصابنى اسم « تحية » وصدقت توقعات الريحانى أيضا بالنسبة لصلابة شخصيتها واحترامها لفنها واعتزازها بنفسها، إذ كانت ترقص ذات ليلة فى صالة بديعة، وأخذ أحد الحضور يضايقها بألفاظ بذيئة جعلت الدم يغلى فى عروقها، فتوقفت عن الرقص وهوت بيدها على وجهه بصفعة مدوية، جعلت الذهول يرتسم على وجه الجميع، وفوجئت بمن يقول لها «كيف تفعلين هذا ؟ ألا تدرين أن هذا ابن شقيقة رئيس الوزراء ومن الأسرة الحاكمة ؟»، فقالت بتحد: « إذا كان من الأسرة الحاكمة فأنا من الأسرة الراقصة «، وانطلق دوى الصفعة، من صالة بديعة لكل الصالات، فأصبحت تحية حديث الطبقة الأرستقراطية وأعجب البسطاء والعامة بالراقصة التى تجاسرت على ارتكاب هذا الفعل، ومن هذه اللحظة تيقن الجميع أن كاريوكا لا يمكن جرجرتها إلى دائرة الابتذال التى كانت شائعة فى ذلك الوقت، من هذه اللحظة أيضا عرف الجميع أن تحية لا فارق عندها بين أمير وغفير عندما يتعلق الأمر بكرامتها، مما جعل البعض يرى أنها تتمتع بحس سياسى فطرى تجلى عقب واقعة أخرى كان لها أيضا دلالاتها، وتتلخص الواقعة عندما دعيت للرقص فى حفل بالقصر الملكى، وكانت هناك  عداوة بين الملكة فريدة والملكة نازلى والدة الملك فاروق التى لم تحضر الحفل لوجود الملكة فريدة التى كانت محبوبة من الشعب، وعندما طلب من تحية أن ترقص للملكة نازلى فى الطابق الثانى من القصر، انصرفت من القصر مع فرقتها دون أن تفكر فى العواقب، وعندما سئلت عما فعلت قالت بكل بساطة» رقصت للملكة فريدة لأن الشعب يحبها وأنا واحدة من هذا الشعب» وحسمت تحية الموضوع بشكل سياسى ! 

عندما رآها  الريحانى لأول مرة، وصفها بالقارة المجهولة المليئة بالكنوز والمواهب البكر فقرر أن يفجر مواهبها فى فيلم «لعبة الست «، الذى رفعت بعده راية التحرر من الأدوار الهامشية التى كانت تظهر خلالها فى ثوب الراقصة فقط، وانتقلت به إلى مصاف الممثلات الأوائل ونجمات السينما، واكتشف الريحانى من خلال التعامل معها أنها شخصية قيادية تتسم بالنبل والشهامة، ولا ينسى أحد الدرس الذى لقنته للممثلة العالمية «سوزان هيوارد» عندما تفوهت أمامها فى مهرجان «كان» السينمائى الدولى بألفاظ غير لائقة عن العرب، وفوجئ الجميع بها وهى تفرد «الملاية اللف «التى كانت ترتديها كزى وطنى، وتسمعها ما لم تسمعه فى حياتها، فهى لا تعرف الدبلوماسية عندما يتعلق الأمر بالإهانة أو الكرامة، والشيء بالشيء يذكر عندما كتب عنها جليل البندارى مقالا فى «أخبار اليوم « بأسلوبه الساخر اللاذع ورأت أنه مس كرامتها فأقسمت أن تضربه عندما تقابله فى أى مكان يتواجد فيه، وجليل البندارى كان يعلم أنها تنفذ ما تهدد به، فلجأ إلى وساطة كل من يعرفونها لكنها رفضت العفو عنه قائلة « لقد أخطأ فى حقى بالباطل، سوف أضربه ثم نتصالح «، وتمر الأيام ويراها جليل فى استديو الأهرام فيطلق ساقيه للريح ليحتمى بسيارته وقبل أن ينطلق بها  فوجئ بها تنقض على مقدمة السيارة كما الأسد الجسور، ومن شاهدها وهى تطارده لكى تفترسه، لا يمكن أن يصدق نفسه عندما كانت تذرف عليه الدمع وهى تودعه لمثواه الأخير !!

سعى لنيل صداقتها عدد كبير من الساسة ورجال الفكر، كثيرون أحبوها لكنها أحبت من بينهم اثنى عشر رجلا، اختارتهم أزواجا لها فضربت الرقم القياسى فى زيجات الفنانات، وحرمها القدر من الإنجاب وعانت من حرمان عاطفة الأمومة التى دفعتها لتبنى طفلة ، ذهبت إلى ملجأ الأيتام  محملة بالهدايا، قدمت للملجأ شيكا بمبلغ ضخم، وقع اختيارها على طفلة أحست بالراحة تجاهها، وكشفت لمدير الملجأ عن سبب زيارتها فبادرها باعتذار رقيق لأن قوانين الملجأ لا تسمح بتبنى طفلة لفنان أو فنانة، لأن حياتهم كلها لهو وسهر، ويومها بكت تحية وهى تتأسى على نظرة المجتمع المتدنية لأهل الفن، ومن اتهموها بأنها كانت سليطة اللسان، تتسم بالعصبية وسرعة الغضب، لم يتعرفوا على الجانب الرومانسى المرهف الذى كان يجعل دموعها قريبة، كانت سليطة اللسان مع سليط اللسان، تغضب من الكذاب والمنافق، وإذا أحبت رجلا تزوجته وجعلت العصمة فى يدها ولم تكن تقبل ان تفعل شيئا يغضب الله، وغدا نتعرف على من تزوجتهم بإذن الله .