موليـيــر الشرق «٢-2»

بيرم التونسى
بيرم التونسى


تناولنا أمس إبداعات العظيم بيرم التونسى الصوفية والدينية التى يعبر فيها عن روحانيات شهر رمضان الكريم ، ونستكمل اليوم مع الروائع الدينية التى تغنت بها أم كلثوم من إبداعاته ومن أهمها زجلية « القلب يعشق كل جميل «،التى أبدع فى تصويرها لحنياً الأصيل رياض السنباطى الذى ترجم لحنياً وجدانيات الحالة الصوفية  فى كلمات بيرم بموسيقى يشع منها الضياء وهى تعبر عن الإحساس بجبال النور التى تطل على البيت المعمور، ورفرفات «حمام الحما « السابح فى سماء مكة بعدد نجوم السما ، توافق روحانى عميق يربط بين صوفية رياض الموسيقية وصوفية بيرم الشعرية التى تهز الوجدان عندما يقول « القلب يعشق كل جميل .. وياما شفت جمال يا عين .. واللى صدق فى الحب قليل .. وان دام يدوم يوم ولا اتنين ..واللى هويته اليوم .. دايم وصاله دوم لا يعاتب اللى يتوب .. ولا فى طبعه اللوم ..واحد مفيش غيره .. ملا الوجود نوره .. دعانى لبيته .. لحد باب بيته ..وأما تجلى لى .. بالدمع ناجيته « ، فما أجمل  مناجاة الخالق بالدموع التى تعكس دلالات التوبة والخشوع والتواضع الذى يطهر النفس وينقيها ، وتلك عبقرية بيرم فى جزالة اللفظ وصدق التعبير ورقى الإحساس وعمق الإيمان وعبقرية تشخيص الحالة الوجدانية .

بيرم هو من أبدع أيضا زجلية «أهل البيت « التى لحنها أحمد صدقى ، وزجلية « أصلى على النبى العربى « التى لحنها فرج السيد ، والأغنية الرمضانية «الهلال والناس « تلحين فريد غصن ، وزجلية «الذكر»من تلحين يوسف صالح ، و«الصايم» تلحين وغناء سيد إسماعيل ، وزجلية «أنا أمدح المولى « تلحين  وغناء محمد فوزي، و»الله كوكب الأبراج «تلحين وغناء سيد مصطفى ، ومن منا ينسى زجلية « المولد « الرمضانية لشيخ الملحنين زكريا أحمد، و «باب السماء « لأحمد صدقى ، ومحفور فى داخلنا زجلية « أهلا رمضان « غناها  وتلحين أحمد عبد القادر ، ولحن وغنى من كلماته فريد الأطرش «هلت ليالى « التى تناول فيها بركات ليلة القدر، ومن كلماته لحن فريد « هلال العيد» التى غنتها نور الهدى ، ويترجم فيها بيرم مشاعر الفرح التى تعمر قلوب المسلمين فى عيد الفطر المبارك بكلمات مبدعة يقول فيها « هل هلال العيد على الإسلام  سعيد .. هل هلاله علينا مبارك ..شاكر فضل الله تبارك ».

اقرأ أيضًا | شخصيات لا تنسى| شاعر الشباب والحب «2-2»

يزيد رصيد بيرم الغنائى عن 500 أغنية متنوعة الموضوعات التى تؤكد أنه كان معجوناً بماء الأصالة وروح ابن البلد الذى يصعب عليه الانسلاخ من مصريته التى استمدها من الحوارى والأزقة التى اختلط فيها بالغلابة والبسطاء ، ويقول فى حوار إذاعى : « تعلمت الزجل من أفواه على أبواب مسجد «البوصيرى » و«المرسى العباس» كنت أستمع إليهم بإنصات وهم ينشدون أزجالهم فى مدح الرسول الكريم، ويترنمون بقصة إبراهيم الدسوقى ، فأصبحت هذه المدائح الوعاء الروحى الذى شكل موهبتى وجعلتنى أحب الزجل وأكتبه وأنا فى سن صغيرة ، وأيقنت أنه فن السهل الممتنع الذى ينبع من القلب ويصل إلى القلب سريعا « ، ومن اللافت أن بيرم هو أول من دعا فى كتاباته النثرية والزجلية للقومية العربية قبل أن يتم تأسيس جامعة الدول العربية ، واتجه الكثير من الباحثين والدارسين فى العالم العربى لدراسة وتحليل كتاباته فى أكثر من رسالة ماجستير ودكتوراة ، وأذهلنى بساطة بيرم عندما اعترف بأنه فشل فى التجارة وأستولى أبناء عمه بعد وفاة والده على مصنع النسيج الذى تركه له ، وتحدث بيرم كثيراً باعتزاز ملكية جده لأبيه لرمل الإسكندرية الواقع بين الموجتين المالحة والعذبة عندما استوطن فيها عام 1833 فى عهد محمد على باشا ، وكان وقتها عائداً من الأراضى المقدسة فى طريقه إلى تونس ولكن الإسكندرية خلبت وده فبقى فيها ، وورث بيرم عن جده ووالده عزة النفس فكان لا يسع لأحد ، بدليل أنه لم يسع لأم كلثوم نفسها فهى التى طلبت رؤيته ، وطلبت منه عندما تقابل معها بحضور الشيخ زكريا أحمد أن يكتب لها.

وواضح أن المنافسة الفنية كانت بين عبد الوهاب وأم كلثوم على أشدها فى الفترة التى اصطحب فيها الشيخ زكريا أحمد  شاعره المفضل بيرم التونسى لكى يتعاون معها فنيا ، وظن عبد الوهاب بعد تجربته الوحيدة مع بيرم فى زجلية « محلاها عيشة الفلاح « أنه قد أنضم لمعسكر أم كلثوم  ، أو أنها هى التى استقطبته لكى تستأثر بكلماته ، فاتخذ عبد الوهاب موقفا من بيرم وقال للمقربين منه : « إذا جاءنى بيرم بكلمات لألحنها وأغنيها فسوف تزال شكوكي» ، لكن بيرم لم يكن يذهب لأحد ولا يتعاون مع لا يطلب أعماله فلم يذهب لعبد الوهاب الذى ترسبت الشكوك فى داخله ، وتأكد أن انتقاده فى زجلية « يا أهل المغنى دماغنا وجعنا دقيقة سكوت لله « ردا على أغنيته الشهيرة « يا وابور قل لى رايح على فين « ، وانتقاده لرائعة « يا جارة الوادى « وعلى الرغم من اعتراف بيرم بأنه لم يتعرض لعبد الوهاب بالسخرية والتهكم إلا أن مطرب الملوك والأمراء رفض أن يصدقه ولم يلحن من كلماته أى شيء بعد أغنية « محلاها عيشة الفلاح « ، وأيقن أن بيرم أصبح كما الخاتم فى صباع منافسته الست أم كلثوم لأنه تضامن معها عندما اختلفت مع صديقه الحميم الشيخ زكريا أحمد ووصل الخلاف بينهما إلى ساحة القضاء فى عام 1950 ، وفوجيء الشيخ بانسحاب بيرم من القضية التى طالب فيها مثله بما لديه من حقوق فى الطبع الميكانيكى ، واستشعر بيرم  الجفاء مع صديقه الشيخ زكريا وطلب من محمد كامل البنا التدخل لإعادة المياه لمجاريها فى لقاء شهد الكثير من العتاب بين الشيخ وبيرم الذى استطاع التأثير على زكريا ليتصالح  فنياً مع أم كلثوم ، وجعله يلحن  لها رائعة « هو صحيح الهوى غلاب» التى جمعت بين الثلاثة من جديد . 

بالرغم من ولادة بيرم على أرض مصرية من أب ولد هو الآخر فى مصر إلا أن المرارة ظلت فى حلقه لسنوات طويلة لأن السلطات المصرية ظلت ترفض منحه الجنسية المصرية ، الأمر الذى جعله مطارداً من السلطات التى قررت نفيه إلى تونس بفرمان سلطانى عام 1920 عندما كتب زجلية « القرع السلطانى « التى تعرض فيها لسمعة السلطان أحمد فؤاد وزوجته السلطانة نازلى بالتشكيك فى بنوة ابنهما ولى العهد فاروق الأول الذى ولد وهو ابن سبعة شهور! وأدت رحلة النفى إلى مأساة استمرت معه من تونس إلى باريس لما يقرب من عشرين عاماً ، عاد منها إلى مصرعام 1938 بعفو من الملك فاروق ، ودفع بيرم ثمناً غالياً لهذا العفو الذى سعى له الشاعر الكبير كامل الشناوى ونصحه بأن ينظم زجلا يعيد فيه الاعتبار إلى  جلالة الملك فاروق الأول وأسرته التى لطخ سمعتها بالتراب ، فنزل بيرم عن كبرياءه المعروف عنه وكتب قصيدة «ملحمة الأسرة العلوية» التى أرضت غرور الملك فاروق ، وبالرغم من ذلك ظل بيرم محروماً من الحصول على الجنسية المصرية بالرغم من محبة ثلاثة من كبار رجال الدولة له ولفنه وهم : محمد محمود باشا رئيس الوزراء ، ومحمود فهمى النقراشى وزير الداخلية ، وأحمد حسنين باشا رئيس الديوان الملكى ، ولم يحصل بيرم على الجنسية إلا بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 ، عندما منحها له الرئيس جمال عبد الناصر واستمتع بالجنسية المصرية التى حرم منها طوال عمره لمدة ثمانى سنوات حتى داهمه مرض الربو الذى توفى به فى عام 1961 عن عمر يناهز 68 عاما ذاق خلالها التشرد ومرارة الغربة والنفى ، لكنه أنتج خلالها ما لم ينتجه غيره فى مجال المسرح والسينما والأغنية العاطفية والدينية والوطنية ، وأصدر خلال ثورة 1919 مجلتى «المسلة - والخازوق «التى اتسمت بأسلوبه الساخر التهكمى فى تناول القضايا الوطنية والقومية والاجتماعية ، وسار من خلالهما على درب الثائر المتمرد عبد الله النديم ، لقى نفس المصير الذى تعرض له النديم فى حياته !
عاش بيرم المصرى التونسى وسيعيش لصدق إبداعاته التى لن يمحوها الزمان.
ونلتقى غداً مع شخصية جديدة .. لا تنسى  .