توقفنا أمس عند حكاية مقاطعة أحمد رامى لملهمته سيدة الغناء العربى التى كان يدللها بكلمة «سومة»، والقصيدة التى كتبها فيها ليرد كرامته واعتباره، وكيف حَرَّم على نفسه سماعها فى الراديو، ولم يخرج من بيته ليودعها أو يستقبلها عندما سافرت لبغداد، لكنه تناسى غضبه وذهب لزيارتها بالمستشفى عندما علم أنها تجرى جراحة، ونقلنا عن المؤرخ والناقد محمد السيد شوشة، القصة التى رواها له رامى عن سبب الخلاف الذى حدث مع أم كلثوم، وتوقفنا عند الحوار الذى دار بينه وبين الأستاذ محمد السيد شوشة حول ملهمة أخرى ارتبط بها رامى وكانت تعرفها أم كلثوم لأنها منافسة لها فى عرش الغناء.
اقرأ أيضًا| مؤرخ موسيقي: أم كلثوم ظلّت وفية لجذورها الريفية رغم المجد والشهرة
يقول الأستاذ شوشة: «سألنى أحمد رامى ذات مرة، لماذا يرتبط شعرى فى أذهان الناس بأم كلثوم فقط ؟».
قلت: ليس هناك دخان بلا نار.
قال: هل لأنها تغنى أشعارى؟ .
قلت: أنت تنظم الشعر من وحيها وهى ترجع بصوتها قصة هذا الغرام.
قال: هناك مطربات أخريات يغنين بشعرى كليلى مراد وأسمهان ونور الهدى.
قلت: ولكن التى استحوذت على كل مشاعرك هى أم كلثوم.
قال: بل هناك مَن كان بينى وبينها شيء من المودة والاستلطاف.
فسألته: مثل مَن؟ .
فقال: أسمهان التى نظمت لها الكثير من أغنيات فيلمى «انتصار الشباب - وغرام وانتقام».
هل الاعتراف الذى نشره الأستاذ محمد السيد شوشة على لسان أحمد رامى عن المودة التى جمعته بأسمهان كان يعنى أنه أحبها بنفس القدر الذى أحب به أم كلثوم؟ أم أنه كان يقصد إيصال رسالة ما بهذا الاعتراف إلى أم كلثوم؟
لا أستطيع أن أحدد ما كان يقصده شاعر الشباب على وجه الدقة، وما لا يمكن إنكاره أن رامى كان مُتيمًا بأم كلثوم لدرجة الوله والعشق الذى لا يوصف، منذ أول لقاء تم بينهما عندما استمع إليها وهى تغنى قصيدته «الصب تفضحه عيونه» التى لحنها الشيخ أبو العلا أثناء سفر رامى لفرنسا، ومن هذا اليوم أحس رامى بأن أم كلثوم ليست ملهمته فقط، بل هى قدره الأبدى وتوأمه الروحي، فأحبها بكل كلمة كتبها لها، وكلمات كل أغنية كانت عبارة عن رسالة تفضح مشاعره نحوها.
فعندما تمرض يكتب قصيدة: «يا للى جفاك المنام عليل أليف السهاد.. النوم عليَّ حرام وأنت طريح الوساد».
وعندما تسافر للخارج وتفترق عنه يكتب قصيدة: «أيها الفلك على وشك الرحيل.. إن لى فى ركبك السارى خليل.. رقرقت عيناى لما قال لى حان الوداع».
وعندما يشتاق إليها لطول سفرها وبعادها عنه يرسل إليها بقصيدة يقول فيها: «اذكرينى كلما الفجر بدا .. ناشرًا فى الأفق أعلام الضياء».
وعندما تعود من سفرها ويذهب ليلقاها، يتلو عليها قصيدة: «رَقَّ الحبيب وواعدنى يوم.. وكان له مدة غايب عني».
اقرأ أيضًا| في ذكرى ميلاده.. كواليس أغنية «أنت عمري» بين أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب
وعندما يشعر بأنها تميل إليه مجددة العهد معه، يكتب لها: «جددت حبك ليه بعد الفؤاد ما ارتاح.. حرام عليك خليه غافل عن اللى راح» .
وعندما لا يجد منها ما يأمله ويرضاه يكتب لها: «يا قاسى بص فى عيني.. وشوف إيه انكتب فيها.. دى نظرة شوق وحنية.. ودى دمعة بداريها.. وده خيال بيين الأجفان.. فضل معاى الليل كله.. سهرنى بين فكر وأشجان.. وفات لى جوه العين ظله.. وبين شوقى وحرماني.. وحيرتى ويا كتماني».
كل أغنية وقصيدة كتبها وتغنت بها ملهمته أم كلثوم تروى قصة حقيقية جالت بمشاعره نحوها سواء فى رضاها عنه، أو هجرها له، أو قربها منه، أو بعدها عنه، وكأنه كان يستمتع بكل حالة من هذه الحالات التى تفجر بداخله ملاك الشعر، فيكتب وهى تغنى بعد أن يلحن القصبجى والسنباطى وزكريا أحمد وغيرهم من الملحنين الذين كانوا يستمعون للكلمات من فمه مرنمة ومنغمة بإحساسه بكل كلمة كتبها، وكأنه يقدم لهم مفاتيح اللحن بحسه وأذنه الموسيقية.
ومما يروى أن رامى عندما علم بخطوبة أم كلثوم للملحن محمود الشريف وضع سماعة الهاتف دون أن يكمل المكالمة مع الموسيقار محمد القصبجى الذى أبلغه الخبر، وخرج من بيته ليتوجه إلى فيلتها بالزمالك، ركب الترام من العباسية ولم يدر بنفسه إلا عندما نبهه محصل التذاكر أنه خرج من بيته بالبيجامة، فعاد بالترام المعاكس إلى بيته ليغير ملابسه !!
أيًا كانت تفاصيل أشهر قصة غرام رومانسية من طرف واحد فما لا يمكن إنكاره أن لرامى فضلًا كبيرًا فى مشوار أم كلثوم الفنى والإنساني، فهو الذى ملأ رأسها بثقافته الموسوعية، وهو الذى نمى أفكارها وفتح لها آفاق المعرفة، وهو الذى كان يقرأ لها دواوين الشعر ويختار لها أجمل القصائد التى تصلح للغناء، وهو مَن عرفها على شعر أبو فراس الحمدانى واختار لها من شعره قصيدة «أراك عصى الدمع»، وهو مَن اختار لها الأبيات التى تصلح للغناء من قصيدة «الأطلال» لإبراهيم ناجى، وأعاد ترتيب الأبيات من القصيدة الطويلة لتصلح للتلحين والغناء وأبدع السنباطى فى ترجمة معانيها لحنيا لتصبح من أروع القصائد التى تغنت بها «الست»، وهو مَن فتح عين ام كلثوم على شعرعمر الخيام الذى ترجمه بالكامل وصاغ لها منه رائعة «رباعيات الخيام».
تنازل أحمد رامى عن التزامه بكتابة القصائد بالفصحى، وحبًا فيها كتب لها الأغانى باللهجة العامية الدارجة، فكانت بنفس رقى كتابته للقصائد بالفصحى، وله فضل آخر فى مشوارها السينمائى بما كتبه لها من قصص وسيناريوهات وحوار وأغانى الأفلام الست التى قدمتها للسينما، وفى المقابل كان صوت أم كلثوم هو السفير الحى الذى وصل بكلمات وأشعار أحمد رامى إلى ملايين العرب من المحيط إلى الخليج، وجعلته من أهم شعراء الأغنية العربية فى القرن العشرين وأميزهم وأكثرهم إنتاجًا ورقيًا، ولو استغرقنا فى تفاصيل العلاقة القدرية التى جمعت بين أم كلثوم ورامى فلن ننتهى ولن تكفينا الأوراق، وما نود أن نخلص إليه أن شاعر الشباب كان حالة شعرية غنائية كونية يستحيل أن تتكرر، والرائد الغنائى أحمد رامى باقٍ فى الوجدان بكلماته وآثاره الشعرية والأدبية لأنه مبدع حقيقى لا يموت برحيل الجسد.
اقرأ أيضًا| الهلال تفجر مفاجأة فبراير: سر الخلود… عدد خاص عن كوكب الشرق أم كلثوم
وما لا يعرفه الناس، أن شاعر الشباب والحب أحمد رامى كان يتمتع مثل أم كلثوم بخفة الظل وروح الفكاهة، وفى أحيان كان ينافسها ويتفوق عليها فى هذه الناحية، ومما يروى أنه كان يستقبل بحفاوة شديدة فى كل مكان يتواجد به فقالت له أم كلثوم «أنا مش عارفه الناس بتحبك على إيه؟»، فرد قائلًا: «بيحبونى على حسك يا ست» ! .
وروى رامى فى حديث صحفى أن أم كلثوم اتصلت به لتزوره فى دار الكتب القديمة بباب الخلق ذات السلالم الرخامية العالية، فوقف ينتظر حضورها على أعلى درجة من السلم، ونزلت من سيارتها، أخذ ينزل الدرج لكنه توقف عندما رآها تصعد إليه، وسألته عندما وصلت لمكانه: «ما نز لتش ليه تستقبلنى؟»، فقال: «أنزل إزاى وأنا روحى طالعة لحد عندى؟».
وكان رامى يدلل ابنه «توحيد» بلقب «توحه»، وعندما رأته أم كلثوم لأول مرة وقدمه إليها باسم الدلع، عَقَّبت عليه قائلة: «على كده يبقى اسمه توحرامي» !.
ولم يكن أحمد رامى ينسى المقلب الذى شربه من أم كلثوم عندما طلبت منه أن تشاهد فيلمًا جديدًا بسينما «رويال» بشارع الجمهورية فى حفل السادسة والنصف مساءً، فتوجه إلى السينما قبل الموعد بنصف ساعة وحجز تذكرتين، وظَلَّ يقطع الوقت فى مشاهدة واجهات المحلات ولم تحضر أم كلثوم فى الموعد، بدأ يشعر بالقلق لأنها لم تخلف له موعدًا، توجه لمنزلها للاطمئنان عليها وإذ بها تلقاه ضاحكةً: «كل سنة وأنت طيب يا رامي.. انهارده أول أبريل!!» .
ونلتقى غدًا بإذن الله مع شخصية أخرى من الشخصيات التى «لا تُنسى».
فاشون| كوليكشن «أميرة» لصيف ٢٠٢٦.. جرأة وبهجة
فاشون| بيوت تحت «الضغط» وصفة لمواجهة «بعبع» الامتحانات
منة شلبى وحمزة العيلى.. محمد سامى ويسرا







