فادية البمبى
يعد كتاب «الاجتهاد» للإمام الأكبر الراحل محمد مصطفى المراغى شيخ الأزهر الأسبق، من أبرز الدراسات التى تناولت قضية الاجتهاد فى الشريعة الإسلامية بعمق وتحليل، يعالج الكتاب مسألة الاجتهاد بوصفها حجر الأساس فى فهم الشريعة وتطبيقها، موضحًا كيف أن الإسلام، كدين عالمى خالد، يجمع بين الثوابت والمتغيرات، ما يجعله قادرًا على الاستمرار فى مواكبة متغيرات الحياة عبر العصور.
اقرأ أيضًا| تكريم 300 حافظ للقرآن الكريم باسنا جنوب الأقصر
ينطلق المراغى فى كتابه من فكرة أساسية هى أن الاجتهاد ليس خيارًا ترفيهيًا بل ضرورة شرعية، فهو السبيل الذى يسمح بملاءمة الأحكام الشرعية مع متطلبات الزمان والمكان والأحوال المختلفة، ويؤكد أن الشريعة الإسلامية تتضمن نوعين من الأحكام: الثابتة التى لا تقبل التغيير، مثل أركان الإسلام والمحرمات القطعية، والمتغيرة التى تعتمد على الظروف والأعراف وتحتاج إلى اجتهاد العلماء لتحديد الأحكام المناسبة لها، هذه الرؤية تبرز كيف أن الإسلام ليس دينًا جامدًا، بل هو دين مرن قادر على التعامل مع المتغيرات دون أن يفقد هويته أو ثوابته.
الكتاب لا يقتصر على التأصيل النظرى لمفهوم الاجتهاد، بل يتناول أمثلة تاريخية عملية تثبت أن الاجتهاد كان حاضرًا منذ عصر النبى محمد ، حيث بعث معاذ بن جبل إلى اليمن وسأله عن كيفية الفصل فى القضايا، فأجاب بأنه سيحكم بما فى كتاب الله، فإن لم يجد فبسنة النبي، فإن لم يجد اجتهد برأيه، هذه الواقعة تعد دليلًا على أن الاجتهاد ليس ابتداعًا، بل هو جزء أصيل من الدين، كما يناقش الكتاب كيف أن الفقهاء المسلمين اعتمدوا عبر العصور على الاجتهاد لضبط الأحكام الفقهية وفقًا للواقع الذى يعيشونه، مستندين فى ذلك إلى مقاصد الشريعة ومراعاة المصالح العامة.
أحد المحاور المهمة التى يطرحها الكتاب هو دور العرف فى الاجتهاد، حيث يشدد المؤلف على أن الفقيه يجب أن يكون على دراية تامة بالأعراف والتقاليد السائدة فى المجتمع الذى يفتى له، لأن الحكم قد يتغير بتغير العرف، وهذه الفكرة تدحض التصور الخاطئ بأن الاجتهاد هو مجرد استخراج أحكام جامدة من النصوص، بل هو عملية دقيقة تستلزم الإحاطة بجوانب الحياة المختلفة.
اقرأ أيضًا| يعرض في رمضان 2026.. مسلسل «طلعت حرب» إنتاج مشترك للتليفزيون المصري ومدينة الإنتاج
فى سياق الحديث عن التجديد، يؤكد المراغى أن الدعوة إلى تجديد الاجتهاد ليست أمرًا مستحدثًا، بل هى من صلب الدين الإسلامي، استنادًا إلى الحديث النبوى: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، ويشدد على أن الاجتهاد لا يجوز أن يكون مفتوحًا بلا ضوابط، بل هو مسئولية العلماء المؤهلين الذين يمتلكون أدوات الفهم الصحيح للنصوص الشرعية ويدركون مقاصد الشريعة، محذرًا فى الوقت ذاته من خطورة ترك الاجتهاد لغير المختصين، لما قد يؤدى إليه ذلك من تحريف فى الأحكام وإساءة فى الفهم.
الكتاب يمثل دعوة جادة إلى إعادة تفعيل الاجتهاد كوسيلة لفهم الدين وفق متطلبات العصر، دون المساس بالثوابت الشرعية، إنه رسالة واضحة بأن الإسلام دين يجمع بين الأصالة والتجديد، ويثبت أن الاجتهاد ليس خروجًا عن الدين، بل هو جوهر بقائه واستمراره فى قيادة الحياة البشرية عبر الزمن.
تقـاليـع زمـن التـرنـد| العلماء: ليس كل مشهور قدوة.. والوعى ضرورة لحماية الشباب
سماعات الغش.. محرمة شرعًا وبيعها إعانة على الإثم
جدل كلاب الشوارع| كريمة: مقاصد الشرع تجمع بين دفع الضرر والرفق بالمخلوقات






