غواص في بحور الإنشاد والابتهال

النقشبندي
النقشبندي


■ كتب: محمد نور

ارتبط الإنشاد الديني في أذهان الكثيرين بمكانة مهمة، حيث التأثر الشديد بالغناء والأناشيد المرتبطة بمدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم، في لحظات  الصفاء النفسي والسمو الروحي.. عرف المصريون الإنشاد، منذ زمن طويل، فكان موجودًا منذ هجرة  الرسول صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة، حينما استقبله أهل المدينة، بهذا النشيد الخالد المعروف «طلع البدر علينا من ثنيات الوداع، وجب الشكر علينا ما دعا لله داع، أيها المبعوث فينا مرحباً يا خير داع».

■ الشيخ محمد الطوخي

مر الإنشاد الديني، بعدة مراحل فى عصور وعهود مُختلفة ففى العهد الأموي، أخذ الإنشاد والغناء الديني في الاتساع، حتى تعددت أنواعه، وصار فنًا له قواعد، وأصول، وضوابط، وقوالب، وإيقاعات، وهناك العديد من المنشدين اشتهروا فى عهد  الدولة الأموية، أبرزهم إبراهيم بن المهدي، وشقيقته عالية، وعبدالله بن موسى الهادي، وأبو عيسى بن المتوكل، إضافة إلى أبو عيسى صالح، فكانوا من أكثر المشتغلين بفن الإنشاد الدينى وتلحين القصائد الدينية، كما كان عبدالملك بن مروان فى دمشق، يُشجع الموسيقيين، وعبدالرحمن بن الحكم، الذى ذاع فى عهده صيت الفتى زرياب، وهو تلميذ إسحاق الموصلي، وهناك الكثيرون ممن اشتهروا بغناء وتلحين القصائد الدينية فى ذلك العهد.

فى العهد الفاطمي، أصبح الإنشاد والغناء الدينى يتضمن موضوعات متعلقة بسمت دينى خالص، منها العشق الإلهي، ومدح الرسول، والوحدانية، والملكوت الأعلى، وظهر هذا، من خلال الاحتفالات، التي كان الفاطميون، يقيمونها بالمولد النبوي، ورأس السنة الهجرية، واستقبال رمضان، والحج، وغير ذلك مما يصاحب الاحتفالات بالمناسبات الدينية.

أما العهد العثماني، فشهد نشاطًا كبيرًا، خاصة الطرق الصوفية، حيث كانت تُنظم حلقات الذكر بمصاحبة الإنشاد، دون وجود  آلات موسيقية، واستمرت حلقات الذكر بالإنشاد الديني، حتى قام العثمانيون بإدخال الموسيقى على غرار غناء الأتراك، وكانت تقدمه «المولوي» باستخدام عازفين بمصاحبة ثلاث آلات موسيقية «الناي، والطبل، والقيثارة»، وكان الملاحظ هُنا أن «قارئ القرآن» هو من يقوم بتعليم المقامات الموسيقية والإيقاعات، حتى أصبحت مدرسة المشايخ تُعلم التجويد بالقراءات المُختلفة، ومن هنا فالمنشدون تربوا على أداء التراث الغنائى والإنشاد المُصاحب للذكر فى الحضرة الصوفية، وعلى أداء القصائد والابتهالات والموال الدينى الخاص بالمدائح النبوية.

■ طوبار

◄ القرن العشرون 

مع بدايات القرن العشرين، زاد الاهتمام بالإنشاد، وأصبحت له الأهمية الكبرى، وكان من يتصدر لهذا اللون من الفن، من ذوى الأصوات الجميلة، والحناجر القوية، التى تتمتع بمساحات صوتية واسعة، ونفس طويل، مع محدودية الآلات الموسيقية المُصاحبة، التى قام المنشدون بالاستعاض عنها بحلاوة أصواتهم، وعلى موسيقى الشعر والألفاظ كأساس لغنائهم، ووصول المعنى للمُستمع بشكل يُشعره بالصفاء والسكينة، وكان المنشدون حريصون على إتقان علم التجويد فى المد والتفخيم، وأيضًا الترقيق، وقواعد اللغة، التى تُساعدهم فى النطق العربى الصحيح، حتى يُمكنهم من التميز  فى الفن، وقد برز فى هذا اللون الكثير من المشايخ، منهم سيد النقشبندي، وطه الفشني، وإسماعيل سكر، وسيد موسى، ومحمد الفيومي، ومحمد الطوخي، ونصرالدين طوبار، وارتبطت هذه الأصوات، بشهر رمضان، وإحياء المناسبات الدينية، بتقديم الإنشاد والغناء الدينى المتنوع كالابتهالات، والموشحات، التى تعتمد على جمال الصوت وروعة الأداء، واختيار المعانى والألفاظ، حتى تصل لقلوب الملايين، وترددها الألسن فى صفاء وخشوع، ففى ظل هذه المدرسة تربى وتعلم، كبار المغنين والملحنين فى مصر، والذين كان لهم طابع خاص فى الغناء، منهم خليل محرم، وأبو خليل القباني، وعبد الرحيم المسلوب، وأحمد ندا، وعبده الحامولي، وسلامة حجازي، وسيد درويش، وسيد مكاوي، وغيرهم من أعلام الموسيقى والغناء.

الأغنية الدينية الحديثة، خلال القرن العشرين، تحولت إلى  الإنشاد، ولكن بمُصاحبة الآلات الموسيقية الحديثة، حيث نجد المطربين اعتمدوا على الشكل العام للإنشاد الدينى الموروث، لكنهم أحدثوا فيه تطور باستخدام التكنولوجيا، ليتناسب مع إمكاناتهم الصوتية، إضافة للاعتماد على موسيقى العصر الحديث، وقد بدا هذا التطور فى الغناء واضحًا على يد سيدة الغناء أم كلثوم،  والتى ظهرت فى بداية مشوارها كمُنشدة، وكانت أولى أغنياتها الدينية بمصاحبة الآلات الموسيقية سنة 1930، ومنذ ذلك الحين ظهرت الأغنية الدينية بمفهومها الحديث.

■ التهامي

◄ اقرأ أيضًا | شخصيات تاريخية| "سيد النقشبندي" صوت الإيمان الذي لا يُنسى

◄ مدح النبي

إن الإنشاد الديني، يتمثل فى مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، فى أخلاقه الطيبة المُباركة، سواء كان ذلك فى صفاته أو أفعاله أو فى تقديراته.

هكذا يشرح محمد شعبان، المُنشد الديني، والواعظ بالأزهر مفهوم الإنشاد، موضحًا أن الإنشاد الدينى له بحور كثيرة لا تحصى ولا تُعد، منها الإنشاد الدينى فى صفات وأخلاق وغزوات المصطفى، ومنها أناشيد الهجرة، حيث استقبله أهل المدينة بنشيد «طلع البدر علينا»، ونشيد «يا رسول الله يا خير الورى، الذى من نورك البدر اكتسى، والشمس مُشرقة بنور بهاك، أنت الذى لما رفعت إلى السما بك قد سمت وتزينت لسراك، أنت الذى ناداك ربك مرحبًا، ولقد دعاك لقربه وحبًا فأنت الذى فينا سألت شفاعة ناداك ربك لم تكن لسواك».

أضاف، أن الإنشاد الديني، هو كل ما يخص الفضيلة، ويختص بالإسلام، مثل قوله «ما فى الوجود سواك رب يُعبد، كلا ولا مولى سـواك، ولا قصد، يا من له عنت الوجوه بأسرها حبًا وكل الكائنات توحد، أنت الإله الواحد الفرد، الذى كل القلوب له تقر وتشهد، يا من تفرد بالبهاء مع الثناء فى عزه، وله البقاء السرمد، يا من له وجب الكمال بذاته فلذاك تشقى من تشاء وتسعد، إنى بجاه المصطفى متوسل حاشا يخيب مع التوسل قاصد»، ويقول إن شهر رمضان، ارتبط بالإنشاد الديني، فهو شهر النفحات والعبادات والرحمات والتجليات لله سبحانه وتعالى، والناس فى هذا الشهر الكريم يُحبون التزود بالإيمان والبعد عن الشيطان.

◄ هناك فرق

وعن الفرق بين الابتهال والإنشاد، أوضح شعبان أن الابتهال هو تواشيح دينية كالتى يُقدمها المُبتهل الشيخ طه الفشني، وعلى محمود، أما الإنشاد الدينى فهو كالذى يُقدمه الشيخ نصر طوبار، والشيخ على محمود، الذين جمعوا بين الابتهال والإنشاد، لافتًا إلى أن كل من ينشدون على الساحة يقدمون الإنشاد وليس الابتهال، كفرقة أبو شعرة السوريين، والشيخ العشري، فالإنشاد الدينى يصاحبه الآلات الموسيقية كالكمنجة، أما الابتهال فهو تضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وهناك أصوات ارتبط بها الناس خلال ليالى رمضان كالفنان الشيخ سيد مكاوي، والشيوخ طه الفشني، ونصرالدين طوبار، ومحمد عمران، الذى جمع بين الابتهال وقراءة القرآن.

ولفت إلى أن الشهر الكريم، اشتهر بكثرة الأناشيد الدينية، ومنها «أتى رمضان مزرعة العباد، لتطهير النفوس من الفساد، فأد حقوقه قولًا وفعلًا، وزادك فاتخذه للمعاد، ومن زرع الحبوب وما سقاها، تأوه نادمًا يوم الحصاد»، مؤكدًا أن الإنشاد الدينى فى الماضى مثل الوقت الحالى كما هو لكن نلاحظ أن الإنشاد الدينى «قديمًا»، كان به تأصيل وعمق، أما الآن فالغالبية يُقلدون، وليس هناك إبداع إلا من القليل.

ويُشير المُنشد محمد شعبان، إلى أن الاختلاف بسيط بين المُنشدين فى الوجهين القبلى والبحري، ففى قبلى يقيمون الاحتفالات فى الموالد والأفراح، أما فى بحرى فيبحثون عن الجديد دائمًا، ومع ذلك فالإنشاد الدينى خير وبركة سواء فى بحرى أو قبلي.

◄ رسالة سامية

المُنشد الديني، أحمد رشدان، يُشير إلى أن الإنشاد الدينى فن عريق وأصيل، يحمل رسالة سامية، ويهدف لتقوية الإيمان، ونشر المحبة والسلام، وتعزيز القيم والأخلاق الإسلامية، ويرجع أصول الإنشاد لزمن النبي، عندما كانوا ينشدون ويشعرون القصائد فى حضرة وجود سيدنا النبي، لافتًا إلى أن شهر رمضان ارتبط بشكل وثيق بالإنشاد الديني، حيث العديد من العوامل أبرزها الأجواء الروحانية، فيمكن القول إن شهر رمضان يتميز  بأجواء روحانية عالية، حيث الصيام، والقيام، وقراءة القرآن، والذكر، والدعاء، وكلها أنشطة تعزز من ارتباط المسلم بدينه، والإنشاد الديني، بما يحمله من كلمات وألحان تثير المشاعر الدينية، مما يتناسب مع هذه الأجواء الروحانية ويُساهم فى تعزيزها، والإنشاد الدينى يُمثل جزءًا هامًا من التراث الإسلامي، حيث يعود تاريخه إلى عصور الإسلام الأولى، وقد ارتبط بالمناسبات الدينية المختلفة، ومن بينها رمضان، لما يحمله من معانٍ وقيم إسلامية، حيث تقام الاحتفالات الدينية، بقدوم شهر القرآن وانتصار المسلمين فى عديد الغزوات، وأبرزها غزوة بدر، كما تكثر فى الشهر الفضيل الاحتفالات الدينية، وإقامة الموائد الرمضانية، وإحياء ليلة القدر، والاحتفال بعيد الفطر، والإنشاد الديني، يُضفى على هذه الاحتفالات جوًا من البهجة والسرور، ويسهم فى إحياء ذكرى المناسبات الدينية.

◄ أشهرها

وأوضح، أن وسائل الإعلام تلعب دورًا هامًا فى ترسيخ ارتباط الإنشاد بشهر رمضان، وعن أهم الفروق بين الابتهال والإنشاد، قال إن الإنشاد فن صوتى يعتمد على الألحان والإيقاعات المنتظمة، ويستخدم كلمات وأشعاراً دينية، مثل الأدعية والأذكار وقصائد المدح، وهذا  قد يكون فرديًا أو جماعيًا، فالأهم التركيز على جمال الصوت والأداء مما يهدف إلى إضفاء جو روحانى وتعبير عن المشاعر الدينية، أما الابتهال فهو نوع من الدعاء والتضرع إلى الله، وهو يتميز بالصدق والإخلاص والتعبير عن الحاجة إلى الله، والابتهال قد يكون عفويًا أو مرتجلًا أو يعتمد على نصوص دينية معروفة، كما أنه لا يتقيد بقواعد موسيقية أو إيقاعات مُحددة، ويهدف للتقرب إلى الله، والتعبير عن التوبة والاستغفار، موضحًا أن أشهر الأناشيد الدينية، قصيدة «مولاى إنى بابك» للشيخ سيد النقشبندي، وقصيدة «جل المُنادي» للشيخ نصر الدين طوبار، وقصيدة «باب الرجا» للشيخ محمد عمران.

◄ اختلاف الزمان

ويوضح رشدان، أن الإنشاد الدينى يختلف حاليًا عن الفترات الماضية، فقد شهد بعض التغييرات والتطورات عبر الزمن، مع الحفاظ على جوهره وأهدافه الأساسية، حيث يُمكن تلخيص أبرز أوجه الاختلاف بين الإنشاد الدينى الحالى وما سبقه فى عدة نقاط، أبرزها الآلات الموسيقية، ففى الماضي، كان الإنشاد الدينى يعتمد بشكل كبير على الآلات الموسيقية التقليدية مثل العود والدف والكمان، أما اليوم، فقد تطورت الموسيقى المستخدمة فى الإنشاد الدينى لتشمل مجموعة متنوعة من الآلات، بما فى ذلك الآلات الحديثة مثل البيانو والجيتار والأورج، وهذا التنوع فى الآلات الموسيقية أسهم فى إضفاء نكهة جديدة على الإنشاد الدينى وجعله أكثر جاذبية للجمهور، لذلك يمكن القول إن الإنشاد الدينى شهد بعض التغييرات والتطورات عبر الزمن، ولكنه فى الوقت نفسه حافظ على جوهره وأهدافه الأساسية.

أضاف، أن هذه التغييرات ساهمت فى جعل الإنشاد الدينى أكثر جاذبية للجمهور ووصوله إلى جمهور أوسع، وظهور الكثير من فرق الإنشاد وحفلات الإنشاد، وزيادة الإقبال عليها، مُشيرًا إلى أنه لا يوجد فرق بين الإنشاد الدينى ونجومه فى قبلى وبحري، فكلاهما يعتمد على التراث الموسيقى الدينى المصرى الغني، لكن توجد بعض الاختلافات الطفيفة فى الأداء والأنماط الموسيقية المُستخدمة حيث يستخدم المنشدون فى الوجه القبلي، بعض الأنماط الموسيقية الشعبية الخاصة بالصعيد، مثل المواويل والأغانى الشعبية، كما يستخدمون الآلات الموسيقية الشعبية الخاصة بالصعيد، مثل الربابة والمزمار، بينما قد يميل المنشدون فى الوجه البحرى لاستخدام الأنماط الموسيقية الأكثر شيوعًا فى الدلتا والمناطق الحضرية.