البابا شنوده الثالث اسمٌ لا يَغيبُ أبدًاعن ذاكرةِ الوطن، القائدُ والمُعلِّمُ والأبُ الذي احتوى بمحبَّتِه كلَّ أبناءِ الوطن. هو الذي اعتبر أن جميع المصريين هم عائلته الكبيرة، كتبَ ذاتَ مرةٍ: "نظرًا لأنَّ والدتي انتقلتْ بعدَ ولادتي مباشرةً، فأنا لم آخُذْ لبنًا من والدتي، ولكني أخذتُ من لبنِ أمهاتِ القرية. كان كلُّ واحدةٍ منهنَّ تقولُ: الوادُ اليتيمُ ده ما خَدِشْ لبن من أمِّه، لذا رَضِعتُ من أمهاتٍ كثيراتٍ وأنا مَدينٌ لكلِّ هؤلاءِ الأمهاتِ أنني ما زلتُ موجودًا حتى الآن". لعلَّ هذه الكلماتِ تؤكدُ عن عُمقِ امتنانِه لهؤلاءِ السيداتِ الطيباتِ حيث قدَّمنَ له الحبَّ قبلَ اللبن، فهو الإنسانُ الذي تربَّى على محبةِ هذا الوطنِ الغالي مصر.
تمرُّ السنواتُ على رحيلِ قداسة البابا شنوده ويبقى اسمُه كنجمٍ متوهِّجٍ في سماءِ الوطن، مهما طالتْ سنواتُ الغيابِ فهو الحاضرُ دائمًا في قلوبِ محبيه. في 17 مارس الجاري يكونُ قد مرَّ على رحيلِه عن عالمِنا 13 عامًا، ورغمَ ذلك نجدُ ذكراهُ العطرةَ في كلِّ مكانٍ، شمسُه لا تغيبُ عن سماءِ وطنِه، بدرٌ نفتقدُه في ليالٍ ظلماءَ عديدةٍ. البابا شنوده الثالث تمَّ اختيارُه بطريركًا خَلَفًا للقديسِ البابا كيرلس السادس عقبَ إجراءِ القرعةِ الهيكليةِ في الكاتدرائيةِ المرقسيةِ بالأزبكيةِ يومَ الأحدِ 31 أكتوبر 1971، ليتمَّ تجليسُه على الكرسيِّ المرقسيِّ في 14 نوفمبر 1971 وحتى يومِ انتقالِه من عالمِنا في 17 مارس 2012. وما بين تاريخِ التجليسِ ويومِ الرحيلِ، مسيرةٌ طويلةٌ تشهدُ على أننا كنا أمامَ رجلٍ مختلفٍ تمامًا، ليس فقط على المستوى الروحيِّ والخدمةِ الرعويةِ، بل أيضًا على المستوى الوطنيِّ والسياسيِّ، حيث استطاعَ خلالَ هذه الفترةِ أن يقودَ سفينةَ الكنيسةِ القبطيةِ الأرثوذكسيةِ وسطَ أمواجٍ عاتيةٍ وتغيُّراتٍ عديدةٍ داخلَ مصرَ وخارجَها. ورغمَ كمِّ التحدياتِ التي واجهَها بحكمةٍ وصبرٍ وروحانيةٍ وعلاقةٍ وطيدةٍ بالسماءِ استطاعَ أن يضعَ الكنيسةَ في مكانِها اللائقِ بها، متمسكًا بثوابتِ التعاليمِ المسيحيةِ الأرثوذكسيةِ، والمبادئِ الوطنيةِ التي جعلتِ العديدَ من المفكرينَ يُطلقونَ عليه لقبَ "بابا العرب"، نظرًا لمواقفِه الجادةِ والمشرفةِ في التعاملِ مع كافةِ القضايا الوطنيةِ والقوميةِ، خاصةً قضيةَ القدس.
كما حَرَصَ قداسة البابا شنوده على أن تتواجدَ الكنيسةُ القبطيةُ الأرثوذكسيةُ في مختلفِ قاراتِ العالمِ، ليُطلقَ عليه لقبُ "البابا الكارز"، وكان يقودُ مبدأَ "الانفتاحِ على الجميعِ" مع التمسكِ بثوابتِ الكنيسةِ الأرثوذكسيةِ، وقادَ حواراتٍ ناجحةً مع كافةِ الكنائسِ الأخرى، إلى جانبِ قيامِه بالعديدِ من الزياراتِ لرؤساءِ الكنائسِ، وقادَ حوارًا مع الكنائسِ الأرثوذكسيةِ الخلقيدونيةِ، فضلًا عن تشكيلِ لجنةٍ مشتركةٍ للحوارِ مع الكنيسةِ الكاثوليكيةِ أثناءَ زيارتِه للفاتيكانِ عامَ 1973 ولقائِه التاريخيِّ مع قداسة البابا بولس السادس بابا روما.
يظلُّ البابا شنوده اسمًا فريدًا في سجلاتِ الوطنيةِ المصريةِ، وتبقى مقولتُه "مصرُ ليستْ وطنًا نعيشُ فيه، بل وطنًا يعيشُ فينا" باقيةً كدرسٍ مُلهمٍ لكلِّ محبي الوطنِ، وهو الذي قالَ أيضًا عن الوطنِ: "إنَّ الحبَّ الذي فينا لا يعرفُ تعصبًا ولا تفريقًا فنحنُ إخوةٌ في هذا الوطنِ، إنَّ وطنيةَ الأقباطِ لم تكن يومًا من الأيامِ موضعَ سؤالٍ ولن تكونَ، وإنَّ تاريخَ مصرَ ليسجلُ في كلِّ حينٍ مواقفَ مشرقةً وطنيةً للأقباطِ، إلى جوارِ إخوتِهم المسلمينَ، ونودُّ أن نحتفظَ بهذا الحبِّ على الدوامِ، لا تؤثرُ فيه أحداثٌ مؤقتةٌ لأنَّ الحبَّ أكبرُ من الأحداثِ وأرجو أن تظلَّ مصرُ سالمةً باستمرارٍ، هادئةً باستمرارٍ لها الوجهُ المشرقُ الذي نحبُّه لها كلَّ حينٍ".
وهو البابا الشاعرُ المثقفُ الذي كتبَ يومًا في حبِّ مصرَ: نحنُ أبناءُ وطنٍ واحدٍ نحبُّه ونرضيهِ ونحبُّ كلَّ ما فيه/ نحبُّ نيلَه وأراضيهِ وشوارعَه وحواريهِ ومزارعَه وصحاريهِ/ نحبُّ صناعَه وفلاحيهِ ونحبُّ مستقبلَه وحاضرَه وماضيهِ، نحبُّ علماءَه ومرشديهِ ونحبُّ أقباطَه ومسلميهِ/ نحبُّ هذا الوطنَ حينَ يرضى وحينَ يغضبُ/ نحبُّه حينَ يمنحُ وحينَ يمنعُ/ نحبُّه أثناءَ نكسةِ يونيو 1967 ونحبُّه في انتصارِ أكتوبر 1973/ أحبُّ فراعنتَه أجدادي وأحبُّ أرضَه أرضَ ميلادي/ أحبُّ نيلَه ليس فقط وهو يجري في الوادي/ بل حينما يجري في فؤادِكَ وفؤادي.
اسم البابا شنوده، سيظلُّ ميراثًا غنيًا لكلِّ المصريينَ، والرجل المتوج بالنور والخكمة السيرة العطرة،ِ سيظلُّ مدرسةً في الروحانيةِ والوطنيةِ، وستبقى الأشجارُ التي زرعتْها يداهُ تُلقي بظلِّها وثمارِها على الجميعِ مهما حاولَ البعضُ أن يقتلعَها أو ينكرَها، لروحِكَ الطيبة السلامُ يا أبانا المحبوب.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







