لم تعد سوريا خارج دائرة الصراع بل في عمق بؤرته .. الموت فيها اصبح مجرد خبر عابر .. ولعل ما جري خلال الأيام القليلة الماضية وما شهدناه من تصعيد دموي واقتتال داخلي يعيد للأذهان مشاهد العنف التي ظن البعض أنها قد انحسرت .. موجات الإقتتال الأخيرة لم تكن مجرد مواجهات عفوية بل كشفت عن عمق الأزمة السورية وتعقيداتها .. و .. و لم يعد السؤال الان متى تنتهي الحرب ؟ بل السؤال : هل ما زال هناك نظام سياسي قادر علي إنهائها ؟
الواقع يقول أن سوريا لا تتعلم من ماضيها فما يجري فوق ارضها ليس مجرد اضطرابات أمنية عابرة بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة الدولة والشعب على النهوض من تحت الركام .. إما أن تتجه البلاد نحو دولة مؤسساتية قادرة على استيعاب الجميع .. وإما أن تبقى عالقة في دوامة الدم والفوضى .
وعلى الورق لا تزال سوريا دولة ذات سيادة .. لكن على الأرض هي دولة على هامش السيادة .. بلد ممزق تحكمها توازنات القوى الإقليمية والدولية .. بلد سقطت في قبضة الفاعلين المسلحين سواء من الجيش السوري او من فصائل المعارضة او من الميليشيات الأجنبية .. ناهيك عن نفوذ القوى الدولية .. وذلك يعني أن العنف لم يعد محكومًا بإرادة سياسية واحدة بل أصبح جزءاً من لعبة مصالح معقدة دولية واقليمية .. و .. و أيضاً داخلية .
اما الحكومة السورية الحالية ورغم بقائها في السلطة إلا انها لم تعد قادرة على فرض إرادتها على كامل البلاد بينما تعيش المعارضة المسلحة في حالة تفكك بين جماعات تبحث عن البقاء أكثر من البحث عن الحل .. أما الأكراد فهم عالقون بين واشنطن وموسكو وأنقرة في صراع مفتوح على أكثر من جبهة.
وما نشهده الان من ارتفاع لوتيرة الحرب يؤكد ان الوضع اصبح علي الحافة .. فالحرب ليست فقط مدافع وطائرات إنما هي أيضاً اقتصاد موازٍ يولد ثروات بقدر ما يولد دمار .. شبكات التهريب والتجارة السوداء .. ثم .. ثم بيع السلاح ونهب المساعدات الدولية .. كلها أصبحت مصادر دخل رئيسية لفئات وجماعات كثيرة في الداخل والخارج السوري .. سواء كانت فئات حكومية أو معارضة أو حتى اطراف اقليمية ودولية.
.. وفي ظل هذا المشهد المرتبك أصبح السلام تهديداً اقتصادياً وسياسياً لكل هذه الأطراف والفئات الفاعلة في المشهد لأن انتهاء الصراع وإعادة توزيع السلطة السياسية والاقتصادية يعني فقدان مراكز النفوذ ومصادر الربح السريع .. ولعل هذا يفسر لنا بعض من اسباب تفاقم الأوضاع .. ولماذا كلما اقتربت سوريا من نقطة الهدوء النسبي ينفجر العنف من جديد ؟!
سوريا .. لم تعد سوريا كما نعرفها .. تفرقت دماء الدولة علي موائد الطامعين وأصبحت بمثابة قطع ممزقة علي طاولة النفوذ منها : " مناطق تخضع لسيطرة الحكومة .. ومناطق تسيطر عليها قوي مدعومة من تركيا التي باتت تلعب دوراً مباشراً في إدارة هذه المناطق .. جيوب كردية تحت حماية أمريكية لكنها مهددة بأي لحظة بتغير السياسات الدولية .. مناطق صحراوية تنتشر فيها فلول داعش التي تستغل الفوضى للعودة إلى الواجهة .. علاوة علي ايران التي تحاول استعادة نفوذ تم تقليم أظافره .. ناهيك عن توغل إسرائيل حتي حدود دمشق وفرض احتلال جبري علي اجزاء شاسعة من الارض السورية .. وهذا التوزيع ليس فقط توزيعاً عسكرياً بل هو بمثابة رسم جيوسياسي جديد لمستقبل سوريا .. حيث يبدو وكأن البلاد تتجه نحو لا مركزية قسرية حتى لو لم يُعلن ذلك رسمياً .
لذا فإن الحرب السورية لم تعد مجرد أزمة وطنية .. بل تحولت إلى صراع عالمي بأدوات محلية كل طرف يدرك أن تحقيق انتصار كامل بات مستحيلاً لكن في الوقت نفسه لا أحد مستعد لتقديم اي تنازلات حقيقية .. وبدا المشهد وكأننا امام إعادة تشكيل جبرية لوطن أنهكته الصراعات وتحولت سيادته إلى ورقة تفاوض بين القوى الكبري المتصارعة علي جثة الوطن .
وفي ظل غياب رؤية سياسية جامعة تبقى سوريا عالقة في حلقة مفرغة .. ومحكومة بالبقاء في دوامة الأزمات المفتوحة والفرص الضائعة .. كلما هدأت الأوضاع انفجرت من جديد .. وكلما بدا أن هناك حلول يظهر واقع اخر أكثر اشتعالاً وتعقيداً .. ليبقي التساؤل الحائر والأكثر إلحاحاً .. ليس عن موعد نهاية الحرب بل : كيف يمكن لسوريا أن تعيش مع هذا العنف المستمر دون أن تموت الدولة ويتمزق الشعب ؟ .. الي متي تظل البلاد غارقة في نفق الفوضى الذي تحاول الخروج منه بشق الأنفس دون جدوي ؟! .
خلاصة القول : نحن امام معارك لا منتصر فيها ولا مهزوم .. الشعب وحده فقط هو من يدفع الثمن .. لك الله يا سورية .

شعرة معاوية
ليلة سقوط الأباتشى
مهازل كروية بالدولار






